كتاب سبر

العلماء.. بين الذنب المغفور، والسعي (غير) المشكور

لم تكن الأنظمة المستبدة هي الضحية الوحيدة للثورات المباركة، وإنما هناك عدد من الذين أسقطتهم الثورات نتيجة تورطهم بالدفاع عن تلك الأنظمة، فوضعوهم في قائمة العار، مثل: بعض الفنانين واللاعبين والمثقفين، والصحفيين، وعلماء الدين.. فالثورة طوفان، يجرف كل من يحاول الوقوف في وجهه.

من بين الذي جرفهم طوفان الثورة، بعض علماء الشريعة الذين انحازوا إلى تلك الأنظمة الفاسدة على حساب حرية الشعوب وكرامتها، فلم تستثنهم الشعوب الحية، وأسقطتهم من الاعتبار.

لاشك أن لعلماء الشريعة منزلة رفيعة، عند الله وعند الناس، وذلك لشرف العلم الذي يحملونه، لكن هذا الشرف غير منوط بمجرد حمل العلم، وإنما بتبليغه وبيانه للناس، { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لَتُبيّنُنّه لِلناسِ ولا تكتمونَه }، فمجرد حمل العلم الشرعي لا يعطي صاحبَه شرفا إذا لم يقم به في الناس، ويصدع بالحق، ويبلّغ الرسالة على أتم وجه.

لم يستطع كثير من العلماء استيعاب ما حدث – كحال كثير من المراقبين – فكان الأجدر بهم الصمت، لكن وللأسف خرج بعضهم بأقوال وآراء تُظهر مدى ارتباكه، وقصور استيعابه للأحداث، فكانت تلك الآراء تُظهر ميلا واضحا للسلطة عبر تبرير أفعالها، والحث على السكوت عن انحرافاتها، تحت شعار “درء الفتنة”، وقد كادت تلك الآراء أن تفتن الناس عن دينهم، حيث قام هؤلاء العلماء بوضع الشريعة في موقف المواجهة مع حقوق الناس وكراماتهم، مما يجعل الطريق معبدا أمام المسلمين للوصول إلى العلمانية، بعد أن جردتهم تلك الآراء من حقوقهم، وجعلتهم مطايا للحكام.

بالرغم من ذلك.. لا يزال بعض الطيبين يبالغون في التأوّل لهؤلاء العلماء، ويتكلّفون في تبرير مواقفهم، لما لهم من منزلة في النفوس، فيرفضون أي نقد يوجه لهم بحجة أنهم اجتهدوا، والمجتهد خطأه مغفور!

فلهؤلاء الطيبين نقول: إن الاجتهاد الذي يُغفر لصاحبه ليس مجرد كلمة تقال، وإنما هو استفراغ الوسع في النظر، وبذل الجهد لمعرفة الواقع ودراستِه دراسةً عميقة ودقيقة تمكّن العالم من أن يُنزل النص الصحيح في محله المناسب، للوصول إلى الحكم الشرعي، لذلك علينا أن نتأكد من أن تصورات هؤلاء العلماء للواقع صحيحة، لم تزيّفها – أو تزيّنها – أكاذيب السلطات، وألاعيب الإعلام الرسمي، وعلى افتراض أنهم اجتهدوا بكل ما تحمله كلمة الاجتهاد من معنى، فإنه لا يلزم أن يكون مع الذنب المغفور سعي مشكور، وقد وصف ابن تيمية الذين جعلوا الأمور المغفورة من باب السعي المشكور بالانحراف (منهاج السنة 6/189)، وكما يجب أن نحفظ ونكفل للعلماء حق النظر والاجتهاد بشروطه وضوابطه، يجب في المقابل أن يكون حق نقد، ورد، والاعتراض على تلك الاجتهادات مكفولا ومحفوظا أيضا.

أما من أخذ يتابع هؤلاء العلماء ويدافع عن آرائهم بعصبية، بحجة أنهم الأعلم والأفقه بكتاب الله وسنة نبيه، وأضفوا على أقوالهم شيئا من التقديس، فنقول: نحن نحسن الظن بالعلماء، ونحسب أن أكثرهم صادقون ومخلصون، لكن الصدق والإخلاص وحدهما لا يكفيان إن كانت التصورات الواقعية مغلوطة، وكون الإنسان عالما في دين الله لا يلزم منه أن يكون عالما في أحداث الواقع، وما فيها من ملابسات عميقة، وتفاصيل دقيقة، فكم من عالم لديه علم راسخ في الشريعة، لكن علمه بالواقع، وبأعراف الناس منقوص، ومعرفته بأدوات وآليات التحرك الجماهيري وطبيعة الأنظمة الحديثة محدودة، ولا شك أن هذا الاختلال في إدراك الواقع ينسحب على رأيه الشرعي في الأحداث، فيكون مختلا أيضا، ومن هنا كان لابد أن يكون تقييم العالم الشرعي الذي يريد الخوض في القضايا العامة ليس على أساس معرفته الشرعية فقط، بل وفهمه السليم للواقع أيضا، يقول الإمام شهاب الدين أحمد زرّوق الفاسي المالكي: “العلماء مُصدّقون فيما ينقلون؛ لأنه موكول إلى أمانتهم، مبحوثٌ معهم فيما يقولون؛ لأنه نتيجة عقولهم، والعصمة غير ثابتة لهم..”، فلا يصح التسليم بكل ما يقوله العلماء من آراء واجتهادات، فالتسليم للنصوص الثابتة، وليس لفهم العلماء لتلك النصوص، وإلا كان الوقوع في التعصب لا محالة. 

إن الكثير من المتعصبين للعلماء المعاصرين وآرائهم قد منعوا تقليد المذاهب الفقهية المتّبَعة في الأمة منذ القرون المفضّلة، بحجة رفض التعصب المذهبي، لكنهم – وللأسف – وقعوا في تعصب أشد لهؤلاء المعاصرين، فصارت أقوالهم بالنسبة إليهم حجة قائمة بذاتها، يُستدل بها، ولا يُستدل لها، فوقعوا في نقيض ما كانوا يدعون إليه.

إنه من الضروري – بل والصحي – أن يتم توجيه النقد للعلماء، ولا مانع أن يكون نقدا قاسيا، بقسوة تلك الآراء على الناس، وبقسوة الجرائم التي صَمَتَ عنها هؤلاء العلماء، أو برّروها، لذلك عليهم – وعلى محبيهم – تقبل ذلك النقد وتحمّله، فقد تقبله من هو خير منهم، ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه : ” أنّ رجُلاً تَقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأغلَظَ لهُ [ أي قسا عليه في الكلام ] فَهَمَّّ بهِ أصحابُهُ ، فقال: دَعوهُ فإنّ لصاحِبِ الحقّ مَقالاً “.

هذا لا يعني القبول بالتجريح الشخصي، أو تجاوز حدود الأدب، أو النقد على غير أساس موضوعي، فإن ذلك مرفوض، سواء كان في حق العلماء أو غيرهم.

إن يقظة الأمة يجب أن لا تتوقف عند مراقبة السلطة الحاكمة، والأخذ على يدها عند الانحراف، بل يجب أن تنسحب تلك اليقظة لتكون موجهة للعلماء؛ فمن الواجب تصحيح الرؤية لهم عند الاختلال، فإن فساد الرعايا بفساد الأمراء، وفساد الأمراء بفساد العلماء.. كما يرى الإمام الغزالي !

أقول هذا الكلام.. ولستُ بعيدا عن بيئة العلم الشرعي، ولستُ مناهضا لدور العلماء في المجتمع والدولة، بل إنني أنشد لهم دورا يليق بعِظَم المسؤولية التي جعلها الله في أعناقهم، ويتناسب مع ميراث النبوة الذي يحملونه، ومع ما يتأمله الناس منهم.

والحمد لله رب العالمين

‏@AliAlssanad

د. علي السند

د. علي السند

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق