كتاب سبر

هل القرآن بديل عن الدستور؟!

“القرآن دستورنا”، شعار رائج في صفوف الإسلاميين، يتم ترويجه بكثرة في الحملات الانتخابية والجولات السياسية، بهدف بيان مدى الارتباط الوثيق بين الإسلام والسياسة.

اليوم.. وفي ظل تصدر الكثير من الإسلاميين المشهد السياسي، وخصوصا بعد الثورات المباركة، وباتت بعض الحركات الإسلامية تقف على أعتاب استلام السلطة، فصار من الواجب الوقوف مع بعض شعاراتهم ومراجعتها، ومراجعة المضامين الكامنة وراءها. 

لو أردنا تفكيك شعار “القرآن دستورنا” وتحليل مضامينه، فسنجد أنه ينطوي على شيء من المجازفة في حق القرآن وفي حق مفهوم الدستور، فلسنا بحاجة إلى رفع هذا الشعار لترويج فكرة الاتصال بين الإسلام والسياسة.

جاء في تعريف الدستور في موسوعة العلوم السياسية التي أصدرتها جامعة الكويت أنه : “مجموعة من القواعد المكتوبة وغير المكتوبة التي تحدد مصادر وأهداف وصلاحيات وحدود السلطة السياسية”

فالدستور يختص في معالجة قضية “السلطة السياسية” دون الخوض في القضايا الأخلاقية والسلوكية  والعقائدية والوجودية، والوازع الداخلي، وقضايا المعاد والحساب.. إلخ من القضايا التي اهتم القرآن في ترسيخها والاستفاضة في معانيها، فالقرآن كتاب هداية للبشرية جمعاء يتناول مختلف شؤون الحياة، ويؤسس القواعد الراسخة التي تأخذ صفة الإطلاق والشمول، وفيه بعض الإشارات إلى العلوم الكونية، وقد قال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}النحل89، بينما الدساتير لها صفة الظرفية الزمانية والمكانية، ولها طابع الخصوصية، وهو مُعرّض للقصور والتنقيح عبر الزيادة والنقصان، وربما الاستبدال، وهذا ما يفسر لنا وضع النبي صلى الله عليه وسلم لوثيقة أشبه ما تكون بالدستور عندما قدم مهاجرا وحاكما للمدينة المنورة، فلم يقتصر – وهو المشرّع – على القرآن الذي يتنزل عليه، وإنما وضع وثيقة تحدد حقوق ووجبات مختلف شرائح الدولة، فكانت هذه الوثيقة لمعالجة وضع سياسي واجتماعي محدد، في بقعة جغرافية محصورة.

إن تفكيك شعار “القرآن دستورنا” لا يعني أبدا استبعاد الشريعة عن أن تكون المصدر الرئيسي للتشريع، فقضية مصدرية الشريعة في تشريع القوانين تعني أن القوانين المُصدّرة يجب أن لا تتصادم مع الشريعة، وهذه مسألة مختلفة تماما عن اعتبار القرآن دستورا، حسب ما جاء في تعريف الدستور في اختصاص بتنظيم شؤون السلطة.

من هنا كان الواجب أن تكون الشعارات خالية من اللبس الذي يسببه استعمال مصطلحات تحمل مضامين مختلفة، كما أن الإغراق في الشعارات ربما يُنسي صاحبها ضرورة الانتباه للمضامين بشكل عميق، وبالتالي التعصب لظاهر تلك الشعارات، لذلك يجب التأكيد على أن رفع هذا الشعار لا يغني عن الإجابة على الأسئلة الملحة التي تفرضها الممارسة السياسية المعاصرة، كما أنه لا يعفي الإسلاميين من تقديم تصور واضح للدستور الذي يريدون أن يحكموا من خلاله، ربما يتساهل البعض في رفع الشعارات التي تتضمن شيئا من التعميم والتبسيط بغرض سهولة التسويق الانتخابي، لكن عندما يكونوا على محك السلطة وممارسة الحكم فليس هناك مجال للشعارات، وإنما يصبح التحدي الحقيقي في كيفية إدارة الدولة وفق دستور واضح المعالم، وبرنامج عمل دقيق ومفصل.. فيجب الاستعداد لذلك.

‏@AliAlssanad

د. علي السند

د. علي السند

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق