كتاب سبر

هل الديمقراطية كفر؟!

الجدل حول موقف الإسلام من الديمقراطية جدلٌ قديم، تتنازعه مواقف عِدة، بين الرافض للديمقراطية تماما، والراضي بها مطلقا، والقابل لها بشروط.
يرى الرافضون للديمقراطية أنها “نظام كفر، يَحرُم أخذها، أو تطبيقها، أو الدعوة إليها” وهذه العبارة هي عنوان لكتيب من إصدارات حزب التحرير “الإسلامي”، الذي يتبنى هذا الموقف بشدة، والذي يرى أيضا أن” نظام الاقتصاد الرأس مالي، والحريات العامة، والدساتير والقوانين الديمقراطية والبورصات وأسواق النقود العالمية كلها لا يجوز أخذها؛ لأنها أنظمة كفر، وقوانين كفر، تتناقض مع أحكام الإسلام وأنظمته”، كما أن هناك مجموعات إسلامية أخرى تتبنى هذا الرأي، أو قريبا منه، وتطرح مفهوم الشورى كبديل عن الديمقراطية! بينما في الطرف الآخر هناك من لا يرى أي تعارض بين الإسلام والديمقراطية، وأنهما متطابقان.. مِثلا بمثل.
أما الطرف الثالث فلا يرى أي تعارض بين الديمقراطية والإسلام، بشرط أن تكون المرجعية العليا في الدولة للشريعة الإسلامية، فتكون هي السقف الأعلى الذي لا يجوز تعديه في سن التشريعات والقوانين. 
واليوم في ظل الثورة العربية التي تُعتبر الديمقراطية أحد عناوينها الرئيسية، وفي ظل تصدر الإسلاميين للمشهد الثوري، يعود الحديث عن هذه الثنائية بقوة وبشكل أوضح من قِبَل الطرف الرافض للديمقراطية، ولا شك أن هذا الرفض سينسحب على الموقف من الثورة ذاتها، ولعل أحد تجليات هذا الموقف الفتوى التي رفضت اعتبار قتلى الثورة شهداء! في هذا المقال سأحاول تفكيك هذه الثنائية التي وقع البعض في أسرها، فأوقعتهم في مآزق فكرية وواقعية. 
أول خطوات تفكيك هذه الثنائية هو بإعادة النظر في أصل المقارنة والمقابلة بين الإسلام والديمقراطية، فأياً كان تعريف الديمقراطية لا ينبغي أن نجعلها في سياق المقارنة مع الإسلام، فهي ليست دين، وإنما هي محصورة في الجانب السياسي، بينما الإسلام دين يحتوي على العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق؛ لذلك كانت المقارنة بينهما تنطوي على إجحاف واختزال لكل منهما؛ لأنهما ليسا من جنس واحد، ومن هنا كان بطلان المقابلة والمقارنة بينهما.
تكمن إشكالية الرفض المطلق للديمقراطية في اعتبارها عقيدة مضادة للدين، وأنها منبثقة عن فكرة إقصاء الدين تماما عن الحياة العامة، كما أنها تقوم على مبدأ حُكم الشعب للشعب، بدلا من حكم الله للشعب، لذلك كله كان الموقف الرافض للديمقراطية.
وبالنظر إلى واقع الشعوب الإسلامية، وتصورهم لمفهوم الديمقراطية، نجد أن تعاطيهم معها بعيد كل البعد عن هذا الفهم، فهم لا ينظرون إليها باعتبارها عقيدة، أو بديلة عن حكم الله، بل باعتبارها مجموعة إجراءات تُنظّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وفق عَقد يحفظ الحقوق لكِلا الطرفين، وبالتالي تكون هذه الإجراءات عبارة عن أداة محايدة تأتي لخدمة الإطار المرجعي للأمة، فالديمقراطية بذاتها لا تحمل أيديولوجيا أو عقيدة سياسية أو دينية، بقدر ما تحتوي على إجراءات وهياكل تَحد من هيمنة الفرد، وتوسع من دور الأمة في المشاركة في الحكم، فهي بالتالي “من قبيل الإجراءات أو التدابير السياسية التي تُتقى بها الفتنة” وبهذا التصور يكون اعتبار الديمقراطية أنها حكم الشعب في مقابل حكم الله، اعتبار باطل، ومقابلة تحتوي على مغالطة، حيث إن حكم الشعب يأتي في مقابل حكم الفرد، وليس حكم الله.
هذا التصور البسيط والواضح، والذي على أساسه يطالب المسلمون بالديمقراطية هو التصور الصحيح – كما أراه – بعيدا عن عُقد بعض النخب التي ما زالت مسكونة بنظرية المؤامرة، والعداء المطلق للغرب بكل مكوناته.
بناء على هذا التصور للديمقراطية الذي يرى أنها أقرب إلى الضرورة العملية منها إلى المبادئ الفكرية – كما يرى العقاد- نستطيع أن نعرف الفرق بينها وبين الشورى التي جاء الإسلام ليرسخها ويدعو إليها، فالشورى لا تقتصر على الشأن السياسي فقط، وإنما هي قيمة كلية تعني مشاركة الرأي في مختلف شؤون الحياة، بدءاً من الفرد في شؤونه الخاصة، مرورا بإدارة الأسرة، وانتهاءً بإدارة الدولة، كما تتنوع حالاتها بين الإلزام الإعلام، بينما الديمقراطية منحصرة في باب السلطة والحكم، ومن هنا كان طرح الشورى كبديل عن الديمقراطية فيه نوع من التجاوز في المفاهيم، وتسطيح لها، لكن يمكننا القول إن الديمقراطية هي إحدى الآليات التي يمكن من خلالها تعزيز وخدمة الشورى كقيمة عليا في الإسلام.
الديمقراطية تتيح للمجتمع أن يختار سقفه الأعلى وهويته المرجعية التي من خلالها تنبثق القوانين والتشريعات، وفي ظل مجتمع إسلامي يكون اختيار الإسلام كمرجعية عليا أمر حتمي يكاد يستحيل تصور خلافه، أما الفرضية القائلة باحتمال رفض الأغلبية المسلمة للشريعة، فهي فرضية موغلة في الشكلية والخيال، وهي أقرب إلى الاستحالة، وعلى فرض تحققها، فهذا يعني أن الأغلبية الإسلامية لا تعرف حقيقة الدين، وهنا تقع المسؤولية على عاتق المؤمنين بالمرجعية الإسلامية، فلا خيار لهم إلا أن ينشطوا في الدعوة وترسيخ الفهم الصحيح للإسلام، حتى يُعيدوا الناس إلى دينهم، أما الخيار الآخر فهو حمل الناس على الشريعة قسرا، واستعمال العنف في سبيل ذلك، وهذا لا شك أنه مرفوض في ظل مجتمعات تعاقدت على رفض العنف كوسيلة لإدارة خلافاتها.
إن الرفض المطلق للديمقراطية في هذا العصر، دون تقديم بديل يضمن للناس المكاسب التي حققتها، والحقوق التي صانتها لهم، أمر يصب في صالح الاستبداد، بصور غير مباشرة، وبحُسن نية.. وكم من نية صادقة أوردتنا المهالك!
.. والله أعلم !
د. علي السند

د. علي السند

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق