كتاب سبر

فوبيا الاخوان

هناك خوف طبيعي يصيب الإنسان السَّوي، يجعله يتصرف بشكل معقول لمواجهة مخاوفه، أما الفوبيا فإنه خوف مَرَضيٌّ خارج عن الحد الطبيعي، حيث يصاب المريض بقلق لا منطقي، يجعله يرى الأشياء بصورة مرعبة ومفزعة، فيتصرف بناء على ذلك بطريقة لامعقولة!


كثيرا ما أتذكر هذه الحالة المَرَضية عندما أرى طريقة تعاطي البعض مع الحركات الإسلامية، وبالأخص حركة الإخوان المسلمين، باعتبارها أكبر الحركات الإسلامية وأكثرها تنظيما، وأقربها إلى الوصول للسلطة، فهناك خوف لا منطقي، وتوتر ورعب مسيطر على عقول البعض مما يجعل أعراض مرض الفوبيا ظاهرة عليه!


ومع هبوب رياح الياسمين للثورات العربية، وتعزيز فرص وصول الإسلاميين للسلطة، أصبح من الواضح أن هناك أطرافا تتعمد أن تسلك مسلك التشويه المُمنهج والمدروس للإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان، هذا المنهج يعتمد على فكرة “شيطنة” الخصم، وتضخيم أخطائه، وتعمد إثارة الرعب والفزع والهلع في نفوس الناس على طريقة “ضاحي خلفان” التي تجعل صاحبها مثيرا للشفقة والضحك في نفس الوقت!


الإخوان المسلمون جماعة متواجدة في الساحة لها حسناتها وسيئاتها، وإنجازاتها وأخطاؤها، فأنا لا أدعو إلى تقديسها أو تنزيهها أو تبرير أخطائها، ولكن في نفس الوقت من غير المقبول تحويلها إلى شيطان وكتلة من الشرور والآثام، وصناعة الأساطير والأوهام حولها، عبر حملات مشبوهة ومنظمة تقودها أطراف متضررة من مناخ الحريات الذي بدأت الشعوب العربية تستنشق عبيره!


إن الإنصاف يدعونا إلى نقد جماعة الإخوان وفق أسس موضوعية إن أخطأت، والإشادة بها ودعمها إن أحسنت وأصابت، أما التحول إلى التشويه، والتخوين والتحريض والإقصاء، والكذب والمبالغات الظالمة، والانخراط في حملات مشبوهة.. فهذا عملٌ غير أخلاقي.
إن يسمعوا الخير يُخفوه، وإن يسمعوا *** شرا أذاعوا، وإن لم يسمعوا كذبوا !


ربما أتفهم التخوّف إن كان الإخوان يسعون للقفز على السلطة للاستئثار بها عن طريق الانقلاب، فهذا العمل بالنسبة لي مرفوض من الإخوان أو غيرهم، لكن مع انخراطهم في العمل الشعبي العام، واللصيق بالمواطن البسيط، وقبولهم بقواعد اللعبة السياسية، في أنظمة ديمقراطية تتيح الفرصة المتساوية للتنافس على السلطة بشكل سلمي، فإن باب التنافس مفتوح للكل، وعلى جميع الحركات والأحزاب أن تثبت أنها الأقدر على إدارة السلطة من خلال اختيار الناس لهم بإرادة شعبية حرة دون إملاء أو وصاية أو إرهاب من أي طرف!


إن المصابين بهذا المرض (إخوان فوبيا) هم في الغالب لا ينتقدون من أجل التصحيح، أو تسجيل النقاط من باب الخصومة السياسية العادلة، أو باعتبارهم منافسا سياسيا لهم على الساحة، وإنما ينطلقون من منطلقات إقصائية تهدف إلى اجتثاث الإخوان ومصادرة حقهم في المشاركة السياسية ومنافسة الآخرين بطريقة سلمية وديمقراطية على الساحة السياسية، فأصحاب هذه الحملة المنظمة هم في الغالب من القوى التي تمارس نوعا من الوصاية على الشعوب، ولا تؤمن بحقها في المشاركة في حكم نفسها، ومن الذين يسعون لمصادرة حق الأمة في اختيار من يحكمها، فهم أقرب إلى “الفلول” المناصرين والمؤيدين لأنظمة القمع والاستبداد التي أسقطتها الثورات العربية إما بشكل حقيقي أو اعتباري!


لذلك أرى من الواجب التنبيه إلى مثل هذه الحملات البعيدة كل البعد عن المنافسة السياسية الشريفة، والتي تريد الانقضاض على اختيار الأمة ومصادرته، وهذا الذي حذر منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: “إني قائم العشيّة في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذي يريدون أن يغصبوهم أمرهم”.


ختاما..
يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون} المائدة8


@al_snd



 

د. علي السند

د. علي السند

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق