بورتريه بورتريه

حمد الجوعان.. حين سقط “الظلام القاتل” خائبا عند باب منزله

هل عرفتم سياسيا حين يتحدث يخرج الضوء من فمه ليكتب على وجه الظلام “أنا حُر”..؟!  

فكما أنه لا يُقدّر التراب والصخر والموانئ أحد مثل البحارة الذين داهمتهم العاصفة وسط البحر حيث جبال من ماء وحبال موصولة مع الموت لا مع الحياة، فإنه لا يقدر هذا الرجل أحد مثل مواطنين شرفاء تتوق أنفسهم إلى الخروج من عاصفة “الفساد” التي تضرب الكويت منذ سنوات ولا حل لخلاصها إلا بأمثال حمد الجوعان.

“مريض يتحدث عن مريض، لكن مرض الجسد أقل ألماً من مرض الوطن، وأجهدت نفسي كي أكون طبيباً ولمرة واحدة لأشخّص أعراض مرض هذا الوطن”… يقول الراحل الجوعان ويضيف : “لنعرِّ سلطة الفساد، ونستجمع قوتنا للقضاء عليها حتى لا تقضي علينا وعلى مستقبل بلدنا وآماله”. 

يُجمع على جوهره الوطني المصقول بمواقفه الوطنية في تاريخه كل من عاشره أو عرفه كنائب وسياسي.. الجميع دون استثناء، وعبثا ذهبت محاولات بعض المحسوبين على “السلطة” والفساد “التمسّح” بسيرته الوطنية من خلال نعيه على الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، فكان لا ينقصهم سوى أن يكتب عنهم الكاتب الانجليزي وليام شكسبير الذي كان بارعا في تصوير “النفاق البشري” وتقلبات النفس..!

ترشح الراحل الجوعان لانتخابات مجلس الأمة المرة الأولى عام 1985، وحاز المركز الثاني في الدائرة الثانية، وفي تلك الدورة، قدم رحمه الله استجواباً بمشاركة النائبين، الراحل أحمد الربعي، ومبارك الدويلة، وكان مقدماً لوزير العدل والشؤون الإدارية حينها الشيخ سلمان الدعيج الصباح، على خلفية “صرفه سندات لابنه القاصر دعيج من صندوق صغار المستثمرين”، وانتهى الاستجواب بتخلي الوزير عن منصبه.

وفي عام 1986 انتُدب الجوعان من قبل مجلس الأمة للتحقيق في الفضائح المالية التي تورط بها بنك الكويت المركزي، وكانت هذه القضية مثار جدل حاد بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ليتم بعد ذلك حل المجلس، وتعطيل الحياة الدستورية.

ثم شارك الراحل مرة أخرى في انتخابات مجلس الأمة عام 1992، وكان المجلس الأول بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي، وانتخب رئيساً للجنة الشؤون التشريعية والقانونية وقتها، وعضواً في مكتب المجلس، كما انتخب رئيساً للجنة العرائض والشكاوى بعد استقالة رئيسها، وذلك من دور الانعقاد العادي الثاني 1994.

ومن أبرز ما تقدم به الراحل، الاقتراح بقانون بإعطاء المرأة حقوقها السياسية، وتخفيض سن الناخب الى 18 سنة ، كما يعود له الفضل في تطوير قانون حماية الأموال العامة والتوسع بالعقوبات لتصل إلى السجن 25 عاماً.

وللتاريخ فالراحل كان صاحب فكرة إنشاء مؤسسة التأمينات الاجتماعية.

في يوم 28 فبراير 1991 حاول عرابو الفساد بسلاح “كاتم للصوت” أن يكتموا صوته العالي المدافع عن المال العام ولكن.. عند باب منزله سقط “الظلام القاتل” خائبا، فـ”الأعمار بيد الله”.. نهض وإن تسبب الغدر بإقعاده مشلولا، أما القتلة الجبناء فليعيشوا بذلهم إلى الأبد هم ومن استأجرهم من “الفاسدين” للخلاص من “جسد” الجوعان فقط ، أما مبادئه ووطنيته فقد سقاها زلالا في وجدان كل أحرار الكويت.

لم تقعده إصابته الغادرة في “نخاعه الشوكي” عن تأدية رسالته الوطنية وتقديم نصائحه لكل من يحاول أن يسبغ سيرته ونهجه.

واليوم في وداع حمد الجوعان.. السياسي الكبير الذي سيبقى رمزا وطنيا وقوميا وأخلاقيا شامخا في تاريخ الكويت.. لا بد من استحضار قيمه التي حملها ومبادئه التي كاد أن يخسر حياته من أجلها.. لكي نستعيد الكويت الجميلة التي نعرف ونفتقدها اليوم.

 

 

  

  

 

 

 

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق