أقلامهم

د.بدر الديحاني: إعادة رسم خريطة المنطقة فما دور الدول العربية؟

سرعة تشكل التحالفات الإقليمية الجديدة التي اتضح أحد جوانبها في عملية انقلاب السياسة الخارجية التركية بشكل دراماتيكي ومفاجئ، تشير إلى أن منطقتنا مقبلة قريباً على إعادة رسم خريطتها الجيوسياسية، وذلك بطريقة تضمن المحافظة بالدرجة الأولى على مصالح الدول الرأسمالية الاحتكارية المعولمة التي تحاول، بكل ما تستطيع من جبروت وسطوة وقوة، إدارة أزمتها الاقتصادية البنيوية بعد أن فشلت في حلها.

التغيّرات المفاجئة في سياسة تركيا الخارجية رافقها وما زال يرافقها تهليل إعلامي وتطبيل غير طبيعي من قِبل التشكيلات المختلفة للتنظيم الدولي للإخوان والعناصر المرتبطة به في دول المنطقة قاطبة، ويبدو أن هذا الموقف الانقلابي في سياسة تركيا الخارجية قد بدأ بالتشكل التدريجي بعدما تيقن التنظيم الدولي للإخوان من الفشل الذريع لمشروع “الخلافة العثمانية” بقيادة السلطان إردوغان، وذلك بعد أن أسقطه الشعب المصري في ثورة 30 يونيو.

وها هي تركيا تستدير استدارة كاملة، إذ تُعيد العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل، ويقوم إردوغان بالاعتذار لبوتين ويذهب بنفسه لزيارته مخاطباً إياه بالصديق، ثم يقول بوتين بكل صراحة ووضوح: “… إن أهداف روسيا وتركيا في سورية متطابقة”. وكذلك الحال مع إيران التي تشارك مع روسيا في القصف اليومي للمعارضة السورية، وحماية حكم الطاغية بشار، حيث أعادت تركيا علاقتها معها، وقالت إنهما تتفقان على شكل الحل في سورية.

ليس ذلك فحسب، بل إن تركيا تناست التصريحات العنترية السابقة لإردوغان حول نظام الأسد، إذ إنها اعتبرت في تصريح ورد مؤخراً على لسان رئيس وزرائها وتناقلته وسائل الإعلام أن الأسد “هو أحد الفاعلين في النزاع السوري، ويمكن محاورته من أجل المرحلة الانتقالية”!

على أي حال يبدو أن إعادة رسم خريطة المنطقة في مراحلها النهائية، وهناك دول محورية في المنطقة مثل تركيا وإيران سيكون لها دور محدد يخدم أجندة الدول الرأسمالية الاحتكارية، ويحقق لها، في الوقت ذاته، مصالح سياسية معينة. هذا مع العلم أن المشروعين القوميين لكل من تركيا وإيران اللذين تُطبّل لهما ليل نهار، ومن دون خجل، تيارات الإسلام السياسي في منطقتنا (التيارات السنيّة مع مشروع تركيا، والتيارات الشيعيّة مع مشروع إيران)، يتجاوزان الهويتين الوطنية والقومية، ويتعارضان تعارضاً كلياً مع أي مشروع نهضوي عربي مستقل في المستقبل.

ومن أسف أن دولة عربية محورية كان من الممكن أن تقود مشروعاً عربياً نهضوياً مستقلاً مثل مصر، على سبيل المثال، مشغولة في همومها وقضاياها الداخلية، وغير قادرة في الوقت الحالي، لأسباب كثيرة، على قيادة مشروع عربي جديد. فما دور الدول العربية في الترتيبات السياسية الجديدة؟ وأين، يا ترى، موقع دولنا في خريطة “الشرق الأوسط الجديد”؟!