شعراء سبر شعراء سبر

الدَّمْعُ الكثيفْ.. في رثاء إبراهيم الكفيفْ

تَدورُ بنا الأيّامُ، والكونُ دائرُ
وإنَّ قطارَ العُمْرِ للهِ سائرُ

تُعَشِّمُنا الدُّنيا بطولِ بقائها
ولكنَّها تَفْنَى، ونحنُ نُغادِرُ

فَما هذهِ الأعْمارُ إلّا  قَوافِلٌ
لَها الـمَوْتُ حادٍ، والقبورُ مَعابِرُ

أيا مَنْ على جُرْحِ الفُؤادِ يَلومُني
حَنانَيْكَ، إنَّ الجُرْحَ في القلبِ غائرُ

أرَى ظُلْمَةً تَجْتاحُ آفاقَ ناظري
فما بالُها اسْوَدَّتْ بعَيْني الـمَناظِرُ؟!

وما بالُ وَجْهِ الفَجْرِ أصبحَ شاحباً؟!
فلمْ يَبْتَسِمْ وَرْدٌ، ولمْ يَشْدُ طائِرُ

أتُنْبِتُ أزهارَ السُّرورِ قَصيدَةٌ
إذا أمْطَرَتْها بالرِّثاءِ الـمَشاعِرُ؟!

أيا شيخَ إبراهيمَ، مُذْ ناحَ نائحٌ
وجاءتْ بأخبارِ الوَفاةِ الـمَصادِرُ

تَفَجَّرَ بُركانُ الأسَى في مَشاعري
ولمْ تَستَطِعْ حَبْسَ الدُّموعِ الـمَحاجِرُ

أيَبْقَى على الدَّمْعِ الـمُحِبُّ مُسَيْطِراً
إذا غَيَّبَتْ عنهُ الحَبيبَ الـمَقابِرُ؟!

أيا شَيْخَنا الغالي، عطاؤكَ لم يَزلْ
رياضاً وأنهاراً، وذِكْرُكَ حاضِرُ

ولكنَّهُ الفَقْدُ الذي سَلَّ سَيْفَهُ
علينا، فَغَصَّتْ بالحُروفِ الحَناجِرُ

بَكَتْكَ على مَوْجِ الأثيرِ إذاعَةٌ
وأنَّتْ حنيناً للخَطيبِ الُمَنابِرُ

تُرَى، كيفَ لا تَبْكي عليكَ مَنابِرٌ
وقدْ كُنتَ بالحَقِّ الُمُبينِ تُجاهِرُ؟!

ولمْ تَتَّخِذْها للوُصولِ مَطِيَّةً
فكم مِنْبَرٍ فيهِ الطُّغاةُ تُتَاجِرُ

عرفتُكَ حُرّاً، لا تَميلُ مَعَ الهَوَى
إذا مَيَّلَتْ بعضَ الدُّعاةِ الـمَظاهِرُ

ويَعْرفُكَ الأقْصَى السَّليبُ، وشعبُهُ
وغَزَّتُهُ لَـمَّـا غَزتْها الفَواقِرُ

وتَعرفُكم في أُمّتي كُلُّ بُقْعَةٍ
فقد كنتَ دوْما للحُقوقِ تُناصِرُ

وإنَّكَ نِبراسٌ لكُلِّ فضيلَةٍ
وللعَفْوِ مَيَّالٌ، وبالعُرْفِ آمِرُ

مُذَكِّرَ خَلْقِ اللهِ باللهِ، إنَّني
حزينٌ، وليلٌ حَوْلَ فَجْري يُحاصِرُ

ويا مُقْتَفي خَيْرَ الأنامِ، وهَدْيَهُ
إلى حَسْرَتي كادَ الفُؤادُ يُسافِرُ

فلو لم يَكُنْ للقَلْبِ صَبْرٌ على الأسَى
لَـمَا جاوَزَتْ بَحْرَ الخُطوبِ البَواخِرُ

ولولا يَقيني بالكريمِ وعَفْوِهِ
لَـمَا جُبِرَتْ بعدَ الكُسورِ الخَواطِرُ

فَحَوْقَلْتُ واسْتَرْجَعْتُ حَتَّى تَكَشَّفَتْ
عنِ القلبِ أحْزانٌ، ولاحَتْ بَشائرُ

بَشائرُ عندَ اللهِ تُشرِقُ شَمْسُها
لِـمَنْ قَلبُهُ بالذِّكْرِ والشُّكرِ عامِرُ

فَما الـمَوْتُ في وَقْفِ القلوبِ ونبضِها
فكم مَيِّتٍ فيهِ السُّطورُ تُفاخِرُ

ألا إنَّما الـمَوْتُ الحَقيقيُّ شَيْخَنا
إذا لمْ تُؤَنِّبْ حينَ نَعْصي الضَّمائِرُ

فيا شَيْخَ إبراهيمَ، للهِ دَرُّكُمْ
ففي القلبِ حَقْلٌ مِنْ عطائكَ زاهِرُ

وللهِ أغصانٌ ببَذْلِكَ أثْمَرَتْ
فبذلُكَ غَيْمٌ بالـمَحَبَّةِ ماطِرُ

ستَبْقَى -وإنْ غُيِّبْتَ بالـمَوتِ- حاضِراً
إذا عُدِّدَتْ للرَّاحلينَ الـمَآثِرُ

فيا حَيُّ يا قَيُّومُ، يَمِّنْ كِتابَهُ
وبَشِّرْهُ بالغُفْرانِ، إنَّكَ غافِرُ

ونَرْجوكَ يا رحمنُ، عَفْواً ورحمةً
إذا لَحِقَتْ بالأوَّلينَ الأواخِـرُ

إلى اللهِ مِيعادُ الخلائقِ كُلِّها
فياربُّ سِتْراً يومَ تُبْلى السَّرائرُ

وليد العازمي
١١-١٢-١٤٣٧
١٣-٩-٢٠١٦

3 تعليقات

أضغط هنا لإضافة تعليق