بورتريه

المنصف السويسي.. سيظل باب المسرح مفتوحاً

لقائي الأول به لم يكن في تونس ولا في بيروت. كان ذاك اللقاء في الكويت سنة 1978 للمشاركة في عزاء المخرج المسرحي الكويتي الراحل صقر الرشود.

وجدته يخشى الموت مثلي، وها هو الموت يختطف المخرج المسرحي التونسي المنصف السويسي (الذي غيّبه الموت أول من أمس الأحد). صقر الرشود لم يشعر به آتياً إذ توفي في عمر مبكر إثر حادث تصادم. أما المنصف السويسي فمنذ داهمه داء السرطان أدرك أنه على موعد مع الموت.

بعدها تلاقينا كثيراً في مهرجانات مسرحية، ثم في عقد ثمانينيات القرن العشرين، حين جمعتنا الغربة مجدداً في الكويت. كان قد استدعي لتدريس الإخراج في معهد الفنون المسرحية. وفي فترة إقامته في الكويت أخرج مسرحيتين كوميديتين من تأليف الكاتب المصري نبيل بدران وبطولة نجم الكوميديا الكويتي عبد الحسين عبد الرضا: «باي باي لندن» و «باي باي يا عرب». وبرغم أناقة الإخراج، فمن الظلم أن يختصر تاريخ المنصف السويسي بهما. فهو من الرعيل الذي ساهم في تجديد المسرح التونسي بعد جيل علي بن عياد.

المنصف السويسي درس المسرح في باريس، وكان جان فيلار مثاله الأعلى. ساهم في تأسيس فرقة المسرح الوطني في تونس العاصمة، وفي بدايات مسرح مدينة الكاف، وفي تأسيس مهرجان أيام قرطاج المسرحية. نشط كممثل في المسرح وفي التلفزيون، لكنه كان يفضل دوره في الإخراج المسرحي. وشكل في السبعينيات ثنائياً مع المؤلف التونسي عز الدين المدني وأثمر التعاون مسرحيات عدة خلّت طابعها، وكانت ذات تأثر بمنهج الألماني برتولد بريشت، المسرح الملحمي، ومنها «ثورة صاحب الحمار»، «ديوان الزنج»، «الحلاج». ومن أبرز مسرحياته الأخرى: «عطشان يا صبايا» عن نص سمير العيادي، و «حال وأحوال» من تأليف أحمد القديدي. وكان المنصف من جيل الفاضل الجعايبي والفاضل الجزائري. وفيما مال الأخيران إلى المسرح التجريبي، ظل المنصف السويسي، مع الاتجاه الحداثي، ميالاً إلى المسرح الشعبي والاحتفالي، مسرح الفرجة. ولا غرابة فهو من مواليد حي الحلفاوين، وقد ورث لزوم الصلة بالناس عن أبيه الصحافي والمناضل السياسي عز الدين السويسي. وهو بدأ نشاطه المسرحي بكوميديا «الهاني بو دربالة» وهي اقتباس من «جورج داندان» لموليير.

في التسعينيات عاد إلى مسرح الكاف الذي شهد بداياته. مديراً للفرقة ومخرجاً. وحرص في العروض التي قدّمتها على الاهتمام بالمسرح العالمي كما بالمسرح التونسي. وفي السنوات الأخيرة تلقى دعماً من أمير الشارقة سلطان القاسمي فأنشأ مسرحاً خاصاً به في تونس العاصمة. وآخر مرة التقيت به كانت سنة 2013 وكانت آثار الربيع العربي تلقي ظلالاً سلبية على الحياة الأدبية والفنية في تونس. كنا نجلس في مقهى: المخرج السينمائي رضا الباهي والمنصف السويسي وأنا غداة إقدام سلفيين على إشعال النار في معرض للفنون التشكيلية في مدينة المرسى. أخبرني المنصف بحسرة عن ضعف الإقبال على المسرح بسبب الحالة الأمنية، وأردف بعزم «لكننا لن نستسلم. سيظل باب مسرحي مفتوحاً».

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق