سبر القوافي

رحيل “سيف العشق”..!

انتقل الى رحمة الله صباح اليوم الشاعر السعودي الكبير مساعد الرشيدي بعد صراع مع المرض لازم على إثره السرير الأبيض، قبل وفاته.

وطوال فترة مرضه كان محاطاً بالورد والأحباب، هؤلاء جميعهم تعلموا منه أن يكونوا أكثر لطفاً مع حبيباتهم، وأن الأنثى والعطر والناي يصنعون البهجة وإن لم نكن بحجم المواعيد.

أثناء مرضه رحمه الله.. استطاع الأطباء فرض الحمية عليه من كل شيء إلا الشعر، فإنه بالنسبة له ترياق الأجساد العليلة ومسكن آلامها، مساعد الذي طالما أبهجنا وأثرى المحكية، عندما تمد أشرعتك لتمخر عباب تجربته فأنت مهدد بالغرق لا محالة، وحين تصيبك القشعريرة وأنت تغوص في مفارقاته يصبح التوتر اللحظي سمة وتدافع الأفكار في المخيّلة مسألة حتمية، وتشعر بأنه يتم تعبئتك نفسياً وعاطفياً كي تكون حواسك في حالة اصطفاف مع هذا الكوبليه النحيل المتخم بالموسيقى والشعر، في أكثر من مرة يخاتلنا مساعد في قصيدته عندما يكون ساخطاً على الملهمة، يؤججنا ضدها، وحين نصبح في صفه يتركنا على حين غرة ويصالحها بتكتيك رومانسي:

أنا دخيل الكحل والعطر والروج
والضحكة اللي قادت العشب للما
لا يزعل اللولو يموت ازرق الموج
والحلم يغرق والمجاديف تظما

مساعد لديه قدرة على المزج بين المفردة التقليدية والحديثة في نص واحد لإثراء المحتوى والمضمون دون أن يخل بالمعنى، إضافة إلى كونه مخرجا يباغتنا على حين غرة بلقطات لم نألفها، ولديه القصيدة تبدأ بسيناريو محكم وعندما تقترب الكاميرا “close” على وجهه تأبى تقاسيم البداوة أن يسقط البطل دمعة، فهو مشرئب القامة صامد حتى وإن بدا شاكياً واللوعة نالت نصيبها منه، صرامة مساعد العسكري تظهر في علاقته مع الملهمات في نصوصه بعض الأحيان، وعندما يطغى عليه تيه العاشق تجد مفرداته تتبدل سريعاً إلى “العشب” و”الشادن” و”الورد” والعطر” “والغيم”، كل ذلك لتصبح الحبيبة أكثر أناقة.

يقول الشاعر والكاتب القدير فهد عافت: “لو أن بليغ حمدي كان سعوديّاً، أو أن مساعد الرشيدي كان مصريّاً، والتقيا، ما تفارقا أبداً! قصائد مساعد الرشيدي، فيها من موسيقى بليغ حمدي الكثير: البساطة، والقدرة على التقاط ما لا نعرف أنه كان قريباً منّا، إلا بعد أن نلتقيه مُنجزاً، عند أحدهما في كلمةٍ أو نغمةٍ!”.

“أركب حوض وانيت وأغني”

إلى الآن لا يزال الوسط الفني محظوظاً بوجود قلة يحفظون ماء وجه النص الغنائي، المحتفظ بقيمته ومعانيه ومدلولاته اللفظية والموسيقية، بل إن وجود مساعد الرشيدي في الأغنية يعيدها إلى صوابها ويحفظ لها هيبتها، وعندما نجد بعض الشعراء يفقدون شيئاً من توازنهم بمجرد دخولهم إلى الوسط الصاخب، نجد أن مساعد عندما يقدم نصاً غنائياً فإنه يتربع داخل نصه وربما كان هو من يحرك الأوتار ويوزع الإيقاع والألحان أي يتحكم بالنوتة، وهذه باتت من النوادر أن نجد النص الغنائي يمتلك شخصية قوية تطغى على شخصية الفنان وتتماهى مع اللحن، ذاك هو مساعد في أكثر من مقام، يقول مساعد في حديث متلفز: “أول شيء أتذكره في حياتي أنني كنت أركب في حوض وانيت وأغني”، واليوم نحن جميعنا معه نغني ولو طلب منا ركوب “الوانيت” معه لما ترددنا، ولعل “السمّيعة” يذكرون غنائيته ذائعة الصيت:

عين تشربك شوف وعين تضماك
لا ذبحني ضماك ولا رويتك
إن طلبت الغلا قلت الغلا جاك
وإن سكنت الخفوق البيت بيتك

وحتى في التفعيلة التي يقول تواضعاً بأنه لا يتقنها كتب رائعة “انتي نسيتي” المكبلة التي كانت لقاء السحاب بين الثلاثي مساعد الرشيدي وعبدالرب إدريس وفنان العرب.

انتي نسيتي وكيف انا ما انسى
إنتي قسيتي وكيف انا ما اقسى
يا صدى من غير صوت
ما به حياة من غير موت

وعند استعراض هذين النصين الغنائيين نجد أن كلمات مساعد الرشيدي تحتفظ بذات العنفوان والطاقة ولا تهرم مع الوقت، وعند الاستماع إليها تصيبنا بلسعة البدايات، وتنتابنا انتشاءة مفرطة، فهي كلما عتّقها الزمن صارت أكثر لذة.

أول محاولة طيش شعري

الجغرافيا لدى مساعد كانت تتغير وفقاً لظروف والده العملية، وحين تفتق ذهنه بأول محاولة طيش شعري كانت في “جازان” جنوباً إلى أول أمسية جماهيرية في “القريات” شمالاً، كان ألبوم الذاكرة مشحوناً بالدمام حيث الولادة، والكويت حيث الطفولة ثم المراهقة في جبال الجنوب والانطلاقة من الشمال، هذا الثراء المكاني والإنساني بلا شك تجذر في وجدان مساعد ابن قرية “الشويمس” (270 كيلومترا جنوب غرب حائل) التي دخلت لائحة التراث العالمي في اليونسكو، وذلك للنقوش التي دونها الإنسان القديم على صخورها.

مساعد أيضاً نالت الغربة جزءاً منه ودونت نصوصها على أوراقه، ويتذكر محبوه قصيدة مثل “يا طير”، ونلاحظ أن الظرف المكاني وتفاصيله الصغيرة دائمة الظهور في نصوصه، وفي أحيان يشير إليها من بعيد، وهذه إحدى مزايا مساعد أنه يهيئ “لوكيشن” التصوير لأبياته، وأكثر صوره نابعة من إحساسه الجمالي بالطبيعة.

مرةٍ كنك الشمس وقت غروب
ومرةٍ كنك الحلم متشابك
كل ما جيت أبي استلهمك وآتوب
ضعت بك ضيعة العطر بثيابك!

مساعد الذي عاش في كنف أم وأب شاعرين، يقول إن أول وأقسى لحظة نقدية عاشها عندما عرض قصيدته الأولى على والده، وكانت مكتوبة في ابنة الجيران فقال له: “إذا كتبت لا تكتب شعر يضحك عليك الرجال”، وقع كلمات الأب ربيّع الرشيدي كان قاسياً على الابن مساعد، ولكن هذه العبارة أيقظت أحاسيسه من اللامبالاة إلى الوعي، وأصلحت اعوجاجه الشعري ولازالت محط أنظاره إلى اليوم.

معزوفات الزعيم

للزعيم مساعد الرشيدي في الحب والوصف معزوفات خالدة منها قصيدة “الكنّه” هذه القصيدة التي تتسلسل أبياتها على طريقة (المارش) في العرض العسكري، ومن خلال أبياتها هناك موسيقى صوتها يضج بالمكان، نجح في غنائها الفنان محمد السليمان باقتدار، ربما قرر الأطباء له تناولها عبر الوريد.

عذب السجايا وعوده بأول الكنّه
متى تزين السوالف وأخذ علومه
وأسامحه عن خطاة الجرح والونه
وأعاتبه لو يصد شوي وألومه.

وكذلك في قصيدته الشهيرة “سيف العشق” التي لا يمر محفل دون أن تكون مطلباً لجمهور الشعر، وصارت أيقونة تلازمه:

أعن لك لو تصب الموت واتهيّلك
واجوع لك واتمنى خنجرك واشتهيك
ما قلت لك عمر سيف العشق ما يقتلك
ماتشوفني حي قدامك وأنا أموت فيك.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *