محليات

تنشر دراسة قانونية للنائب السابق والمحامي فيصل اليحيى حول الطعن على قرار سحب الجنسية عن عائلة البرغش

  • ما جاء بأسباب الحكم فيه شذوذ لا ينسجم مع التطورات القضائية الساعية إلى تقليص أعمال السيادة وتوسيع دائرة اختصاص المحاكم لتشمل كافة القرارات الإدارية خاصة ما يتعلق منها بالحقوق والحريات.
  • نظرية أعمال السيادة ليست ولا ينبغي أن تكون وسيلة السلطة للخروج عن حدود المشروعية ولا يفترض أن تكون درعا يحمي قراراتها المخالفة للقانون أو حصنا تعتدي من خلفه على حقوق الأفراد والمجتمع دون رادع أو رقيب.
  • لا يمكن اعتبار القرارات المتعلقة بسحب واسقاط الجنسية من أعمال السيادة، وإلا لما تم تنظيمها بتشريع قانوني حدد قواعد وشروط السحب والاسقاط.
  • احتجاب القضاء عن الرقابة على قرارات سحب واسقاط الجنسية يؤدي إلى هدم قيم العدالة التي ما قامت المحاكم إلا لتشييد بنيانها ونصب ميزانها والسهر على حمايتها والذود عن حدودها.
  • ما اعتبره الحكم (التطبيق الأمثل للمفهوم الصحيح لمبدأ الفصل بين السلطات) هو في حقيقته يتعارض مع هذا المبدأ وينتقص منه بالقدر الذي ينتقص من حق المحاكم بالرقابة على أعمال الإدارة.
  • كل تقييد لوسيلة المطالبة القضائية هو في حقيقته تقييد لوظيفة القضاء في مزاولة اختصاصه، وهو ما يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، وإهدار للحقوق ذاتها التي كفلها الدستور.
  • عطل الحكم بقضائه نصوصا وأهدر أخرى رغم ارتباطه ارتباطا وثيقا بموضوع الدعوى، فضلا عن إخراجه لها عن سياقها الصحيح، ومؤديا بذلك إلى عكس النتيجة المراد منها.
  • نص المادة (27) من الدستور قرر قاعدة أساسية آمرة لا تحتمل التأويل والتفسير، ومقتضاها أن أي قرار بسحب أو إسقاط الجنسية لا يكون صحيحا إلا إذا صدر في حدود القانون منضبطا بضوابطه وملتزما بشروطه ومتوافقا مع نصوصه دون انحراف عنه أو خروج عن مقتضياته.
  • لا ضمانة لصدور قرارات السحب والاسقاط وفقا للقانون ما لم تتحقق للأفراد ضمانة الرقابة القضائية عليها ليتبين حقيقتها ومدى إلتزامها بحدود المشروعية المفروضة على جهة الإدارة بنص الدستور.
  • إذا كانت الجنسية حق للمواطن، ولا يجوز إسقاطها أو سحبها إلا في حدود القانون، فلا قيمة لهذا الحق طالما انتفت وسيلة حمايته.
  • ما جاء بمحاضر لجنة الدستور يؤكد أن المشرع الدستوري كان حريصا أشد الحرص على إضفاء أقصى حماية ممكن لحق الجنسية، وأنه سعى لإحاطتها بكل الضمانات اللازمة التي تحول دون انفراد السلطة باتخاذ القرارات المتعلقة بالسحب والاسقاط دون رقابة قضائية عليها.
  • كل ما ذكره الفقه والقضاء في وصف أعمال السيادة لا ينطبق بالقطع على القرارات المتعلقة بسحب واسقاط الجنسية، لأن هذه القرارات الأخيرة تتعلق بالحقوق والحريات، ولا يجوز أن تصدر إلا في حدود القانون وفقا لنص المادة (27) من الدستور.
  • غياب الرقابة القضائية يعني نزع كل حماية وضمانة يفترض أنها مقررة ومكفولة للمواطنين، والتسليم للسلطة بحق اتخاذ القرارات دون أدنى التزام بالشروط التي يقررها القانون، وهذا هو عين ما يهدد كيان المجتمع والدولة معا لما فيه من إهدار للحقوق وإنكار للعدالة يفقد المواطن معها الشعور بالأمن والاستقرار.
  • لا معنى لتقرير حق ما وحجب الوسيلة القضائية التي يمكنها حمايته، فذلك يجعل من تقرير تلك الحقوق من قبيل العبث، الذي يترتب عليه عمليا تعطيلها وإهدارها.
  • إذا كان القانون قد حدد الشروط والضوابط التي لا يجوز سحب أو اسقاط الجنسية إلا في حدودها، فلا مسوغ للقضاء في حجب نفسه عن واجبه في النظر والرقابة على القرارات المتعلقة بها.
  • حجب القضاء نفسه عن القيام بواجب الرقابة على قرارات السحب والاسقاط يعني تعطيل لكافة الضمانات والحقوق المقررة للمواطنين وتركهم رهينة لهوى السلطة وإرادتها.
  • الدستور بما احتواه من نص المادة (27) وعلى ضوء المناقشات التي دارت في لجنة وضع الدستور تؤكد نزع المشرع الدستوري لأي صفة سيادية لهذه القرارات على فرض وجودها أصلا.
  • إذا تفرقت أوجه الرأي في إعمال النصوص المتعددة التي تتناول المسألة الواحدة، فإن المفترض بالمحكمة أن تجنح للأخذ بما ينتصر للحق والعدل والمساواة والحرية ويرسخ مقتضياتها، وبما ينحاز لدور وواجب القضاء في النظر بأعمال الإدارة وبسط رقابة المشروعية على قراراتها.
  • كيف يتحقق العدل وتصان الحرية في ظل حرمان الناس من حقهم في الدفاع عن أنفسهم في مواجهة قرارات السلطة، وفي ظل امتناع القضاء عن الرقابة على تلك القرارات التي تمس حريتهم وحياتهم؟! وكيف تتأتى كفالة أمن واطمئنان المجتمع وأفراده في ظل تعلق مصيرهم بيد السلطة دون رقابة عليها أو ضمانة تكفل لهم صون حقوقهم والدفاع عنها في مواجهتها؟!
  • ما يقرره الدستور لا يجوز أن ينقضه أو ينتقص منه القانون، وتجريد الحق من وسيلة اقتضائه هو إهدار للقانون ذاته، وهذا التجريد يخل بدوره بقواعد الدستور وبالحقوق التي كفلها.
  • انتقاص المشرع لاختصاص القضاء يعني تقيده لحق التقاضي، والاعتداء على هذا الحق هو اعتداء في الوقت نفسه على القضاء.
  • الدستور أطلق اختصاص المحاكم ليكون شاملا لولاية الإلغاء وولاية التعويض بالنسبة للقرارات الإدارية فلا يجوز أن ينتقص من هذه الولاية أو يحد من نطاقها أو يستثنى منها بأداة أدنى من الدستور.
  • كلما تعلق النزاع بالحقوق والحريات فليس للقضاء التخلي عن واجبه في التصدي له وفحص مشروعية التصرفات والقرارات الصادرة من السلطة بشأنه، مهما كانت طبيعتها ووصفها.
  • لا يمكن أن يكون القضاء ضامنا حقيقيا للحقوق والحريات في ظل منعه – أو امتناعه – عن بسط رقابته على قرارات وتصرفات السلطة التنفيذية التي تمس حقوق وحريات الأفراد.
  • المتقاضي الذي يوصد دونه باب القضاء ويحال بينه وبين قاض ينصفه لا يكون قد حظي بأية عدالة.
  • لا يجوز أن تتناول جهة الإدارة حقوق الناس بما يصدر عنها من قرارات وتصرفات ويحرم أصحاب الحقوق في الوقت ذاته من الطعن عليها.
  • استقرت الأحكام والمبادئ القضائية وتحقق اجماع الفقه على عدم دستورية النصوص المانعة من حق التقاضي والحاجبة للمحكمة عن ممارسة اختصاصها بإعمال رقابة المشروعية على القرارات المخالفة للقانون.
  • ما جاء بأسباب الحكم وما انتهى إليه من نتيجة يقع على درجة كبيرة من الخطورة يتهدد معها كيان المجتمع وأمن أفراده، بل وينسف مبدأ المواطنة نسفا كاملا بعد أن اهدرت الحقوق المرتبطة به والضمانات المكفولة لحمايته.
  • الحكم أطلق – عمليا – يد السلطة التنفيذية في إصدار القرارات المتعلقة بسحب واسقاط الجنسية، وجعل هذه القرارات خاضعة فقط لمطلق سلطتها التقديرية، ليقع المواطن بعد ذلك أسيرا لمزاج تلك السلطة وفريسة لهواها بعد أن تعلق مصيره بقرارها.
  • الحكم – عمليا – جعل كافة الحقوق والحريات التي كفلها الدستور للمواطن عرضة للهدر في أي وقت وبمجرد صدور قرار من السلطة التنفيذية.
  • المحكمة بحجبها لنفسها عن الرقابة على قرارات سحب واسقاط الجنسية، تكون قد امتنعت عن القيام بواجبها المكلفة به بحماية الحقوق والحريات العامة والسهر على حراستها من تغول السلطة عليها.
  • طالما أنه لم يعد هناك نظام قضائي يرد السلطة ويردعها إذا ما انحرفت أو تعسفت فما بقي هو الطغيان.
  • النتائج المترتبة على الحكم يفترض أن تدفع بكل المعنيين للعمل الجاد والحثيث على استدراك هذا الأمر لإعادة الأمور إلى نصابها، وحتى لا تكون قرارات السلطة سيفا مسلطا على مصائر الناس.

أعد النائب السابق والمحامي فيصل اليحيى دراسة حول الطعن على قرار سحب الجنسية عن عائلة البرغش، مؤكداً بأن ما جاء بأسباب الحكم وما انتهى إليه من نتيجة يقع على درجة كبيرة من الخطورة يتهدد معها كيان المجتمع وأمن أفراده.

وللإطلاع على الدراسة..بصيغة PDF

 


 

 

التعليق على حكم الدائرة الإدارية بمحكمة التمييز
الصادر بجلسة 7/2/2017 في التمييز رقم 1713/2015 إداري/2
بشأن الطعن على قرار سحب الجنسية عن عائلة البرغش

إعداد المحامي/ فيصل صالح اليحيى

سبق لنا – بتاريخ 16/11/2015 – نشر دراسة بعنوان “مدى تعلق مسائل الجنسية بأعمال السيادة ومدى اختصاص القضاء في قرارات اسقاطها وسحبها على ضوء آراء الفقه وأحكام المحاكم”، ثم ألحقناها – بتاريخ 22/11/2015 – بنشر دراسة أخرى تعليقا على “حكم الدائرة الإدارية بمحكمة الاستئناف الصادر بجلسة 10/11/2015 في الاستئناف رقم 1387/2015 إداري/7 المتعلق بالطعن على قرار سحب الجنسية من عائلة البرغش”، وقد تم نشر الدراستين بجريدتي (سبر) و(الآن) الالكترونيتين بعد أن أوصد أمامهما باب النشر في بعض الصحف الورقية.
وتأتي هذه الدراسة – استكمالا للدراستين السابقتين – تعليق على حكم محكمة التمييز الصادر في ذات الموضوع والذي انتهى بقضائه إلى: “قبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا.”

وكانت محكمة أول درجة قد انتهت بقضائها إلى: “قبول الدعوى شكلا وفي الموضوع بإلغاء القرار الإداري المطعون عليه (الخاص بسحب جنسية المدعين) وما ترتب على ذلك من آثار وألزمت الجهة الإدارية بأن تؤدي للمدعين مبلغ خمسة آلاف وواحد دينار على سبيل التعويض المؤقت.”، في حين حكمت محكمة الاستئناف: “بإلغاء حكم محكمة أول درجة وبعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظر الدعوى.”

ونتناول – على ضوء الدراستين السابقتين – حكم محكمة التمييز المشار إليه بالتحليل والتعليق، وذلك على النحو التالي:

أولا: الأساس الذي قام عليه حكم محكمة التمييز وما انتهى إليه من نتيجة في قضائه:
أسس الحكم المشار إليه قضاءه على سند من القول: “أن نظرية أعمال السيادة وإن كانت في أصلها قضائية النشأة… إلا أنها في الكويت ذات أساس تشريعي… وقد ترك المشرع بما نص عليه في المادة الثانية من القانون رقم 23/1990 الصادر بشأن تنظيم القضاء أمر تحديدها للقضاء اكتفاء بإعلان مبدأ وجودها… وأن مفاد ما أوردته نصوص قانون الجنسية الكويتية رقم 15/1959 ومذكرته الإيضاحية أن مسائل الجنسية في دولة الكويت وما يتعلق بها من قرارات تتسم بطابع سياسي أملته اعتبارات خاصة… وهي بهذا تعد من أعمال السيادة… وينسجم ذلك مع ما قدرته السلطة التشريعية في الفقرة خامسا من المادة الأولى من قانون إنشاء الدائرة الإدارية فيما يتعلق بمسائل الجنسية… ورتبت على ذلك استبعاد المنازعات التي تنشأ حول القرارات الصادرة بشأنها من نطاق الرقابة القضائية… وبالتالي فإن ما نصت عليه الفقرة الخامسة من المادة الأولى من قانون انشاء الدائرة الإدارية المشار إليها لا يعدو أن يكون تأكيدا من المشرع باعتبار تلك المسائل من أعمال السيادة التي تخرج عن ولاية المحاكم…”
وبناء على كل ما تقدم انتهت المحكمة إلى أن طلبات الطاعنين المتمثلة (بإلغاء قرار مجلس الوزراء المتضمن سحب شهادات جنسيتهم الكويتية وجنسية من كسبها تبعا لهم)، تخرج عن اختصاص المحكمة ولائيا، وهذه النتيجة التي توصل إليها الحكم هي التي قادته للقضاء برفض الطعن.
ثانيا: التعليق على ما جاء بالحكم من أسباب:
سوف نتناول بالبحث والتحليل والتعليق – بالأسطر القليلة الآتية – مجمل هذه المواضيع التي تطرق إليها الحكم والأفكار التي تبناها وذلك في المباحث التالية:
المبحث الأول: توسع غير محمود ولا سند له في اعمال نظرية أعمال السيادة.
المبحث الثاني: تعطيل بعض النصوص وإهدار نصوص أخرى.
المبحث الثالث: خروج عن التفسير الصحيح للنص المانع.
المبحث الرابع: المسألة الدستورية.
المبحث الخامس: النتائج والآثار التي يرتبها الحكم على عموم المواطنين في حال استقر هذا القضاء لدى المحكمة.
المبحث الأول: توسع غير محمود ولا سند له في إعمال نظرية أعمال السيادة:
قرر الحكم بأسبابه: “أن خروج أعمال السيادة عن ولاية القضاء يعد أحد صور التطبيق الأمثل لإعمال المفهوم الصحيح لمبدأ الفصل بين السلطات… وأن استبعاد المنازعات المتعلقة بمسائل الجنسية من الرقابة القضائية – بموجب نص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من قانون إنشاء الدائرة الإدارية – لا يعدو أن يكون تأكيدا من المشرع باعتبار تلك المسائل من أعمال السيادة التي تخرج عن ولاية المحاكم…”
وما جاء بأسباب الحكم – على نحو ما تقدم – يقع على درجة عالية من الخطورة، إذ أنه يقرر – وبخلاف ما استقرت عليه أحكام التمييز – أن كافة المسائل المتعلقة بالجنسية – بما فيها قرارات السحب والاسقاط – تعتبر بطبيعتها من أعمال السيادة التي لا تدخل في ولاية القضاء أصلا، وأن النص المانع (وهو نص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من قانون إنشاء الدائرة الإدارية) لا يعدو كونه نصا كاشفا لهذا الأمر وليس مقرر أو منشأ له، وهو ما يعني أن إلغاء هذا النص لن يغير موقف المحكمة في الامتناع عن الرقابة على تلك القرارات، لأنها – وكما يستخلص من أسباب الحكم – ترى أن انتفاء ولايتها عن الرقابة على قرارات سحب واسقاط الجنسية ليس مصدره النص المشار إليه، بل إن مصدره هو الطبيعة الذاتية لتلك القرارات.
ولو كان الحكم قد قرر أن ما حجب المحكمة من الرقابة على تلك القرارات هو نص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من قانون إنشاء الدائرة الإدارية – رغم عدم تسليمنا بهذا التبرير – لهان الأمر، باعتبار أن إلغاء أو تعديل النص سيرفع الحجب عن المحكمة ويفتح لها باب الرقابة على تلك القرارات، إلا أن الحكم ذهب لأبعد من ذلك فيما قرره أن كافة القرارات المتعلقة بمسائل الجنسية تدخل بطبيعتها في أعمال السيادة بغض النظر عن النص المشار إليه.
فضلا عن ذلك فإن الحكم لم يعتبر أن النص الذي يحظر النظر في مسائل المتعلقة بالجنسية قد سلب اختصاصات المحكمة ومنعها من حقها بل وواجبها بالرقابة على قرارات الإدارة – في هذا الشأن – وأن هذا الحظر يعيب التشريع بما يتطلب ذلك منها دعوة المشرع لتعديله، أو أنها ما كانت لتحجب نفسها عن رقابة القرارات محل النزاع لولا وجود هذا النص، أو أن عدم نظرها في القرارات محل النزاع يأتي اضطرارا وعلى مضدد منها لا تجد بدا منه وسبيلا لدفعه عنها بسبب وجود النص الذي يقف حائلا بينها وبين قيامها بواجب الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية لإزالة الحيف – أو مظنة وقوعه – عن الناس، وحتى لا تطلق يد السلطة للعبث في مصائرهم، وحتى يطمئن الناس لوجود قضاء ألزم نفسه وكرس حياته للقيام بواجبه بحماية حقوقهم وحرياتهم والحفاظ عليها من جور السلطة.
بل اعتبر – بعبارات تحمل الثناء – أن حجب المشرع للرقابة القضائية على القرارات المتعلقة بالجنسية هو انسجام مع الطبيعة السياسية لتلك القرارات التي أدخلها في طائفة أعمال السيادة، وهو – كما اعتبره الحكم – التطبيق السليم لقاعدة الفصل بين السلطات.
وما جاء بأسباب الحكم – فضلا عن فساده بالاستدلال – فيه شذوذ لا ينسجم مع التطورات القضائية وسعي المحاكم الحثيث في كل الدول – التي تحترم مبدأ المشروعية وتحمل على عاتقها مسئولية المحافظة على حقوق الانسان والمواطن وتصر على القيام بأمانة وواجب حمايتها – إلى تقليص أعمال السيادة وتوسيع دائرة اختصاصها لتشمل كافة القرارات الإدارية خاصة ما يتعلق منها بالحقوق والحريات، إذ أن نظرية أعمال السيادة “تعتبر استثناء خطير على القاعدة العامة التي توجب خضوع جميع أعمال السلطة التنفيذية لرقابة القضاء، وهو استثناء يتعارض مع النظام الديمقراطي”، وباعتبارها “تمثل في الحقيقة ثغرة في مبدأ المشروعية”، “وتشكل نقطة سوداء في جبين القانون العام، لما تشكله من تهديد لحقوق الأفراد وحرياتهم”، ولذلك فإنه “أمام ضرورة خضوع جميع أعمال الإدارة لرقابة القضاء، فإن نظرية أعمال السيادة تعد مكروهة من الفقه والقضاء، مما دعاهم إلى التعاون بقدر المستطاع للحد منها”، وهو ما أدى إلى “تعرض هذه النظرية لهجوم شديد، باعتبار أن النظام الديمقراطي وهو يهدف أساسا إلى حماية الحقوق والحريات يحتم خضوع جميع أعمال السلطة التنفيذية للرقابة القضائية.”، وعليه سعى الفقه والقضاء – على حد سواء – إلى التقليص من مداها ما وسعهم ذلك، بل ذهب البعض إلى انكار وجودها.
وصفوة القول فيما تقدم أن نظرية أعمال السيادة عندما أقرها مجلس الدولة الفرنسي مكرها، في بداية نشأتها التاريخية قبل أن تتقلص وتتراجع وتكاد أن تتلاشى، لم يقصد أن يجعل منها مطية للتغول على حقوق الناس وحرياتهم، فهذه النظرية ليست ولا ينبغي أن تكون وسيلة السلطة وسبيلها للخروج عن حدود المشروعية دون مقتضى، كما أنها لا يفترض أن تكون درعا يحمي قراراتها المخالفة للقانون أو حصنا تعتدي من خلفه على حقوق الأفراد والمجتمع دون رادع أو رقيب.
ويذهب معظم الفقه والقضاء – في هذا الصدد – إلى أنه: “إذا كانت هذه النظرية ضرورية، إلا أنه يجب التقليص من مداها ويتعين التخفيف من حدتها.”، ولأن “أعمال السيادة هي – في أصلها – قرارات إدارية عادية، وتظهر الحاجة لها في الظروف الاستثنائية، ولهذا جاءت معظم تطبيقاتها النظرية في مجال السياسة الخارجية وأعمال الحرب، ولهذا أيضا فإن القضاء – سواء في فرنسا أو في مصر – لا يعترف بأعمال السيادة في الظروف العادية إلا في أضيق الحدود.”
وبالرجوع إلى مجموعات الأحكام الصادرة من القضاء المصري والكويتي، يمكن حصر تلك الأعمال في الأعمال المنظمة لعلاقات السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية، والأعمال المتصلة بشئون الدولة وعلاقاتها الخارجية أي الأعمال الدبلوماسية، والأعمال المتعلقة بالحرب، وبعض التدابير الخاصة بسلامة الدولة وأمنها الداخلي.
وحيث أن القرارات المتعلقة بإسقاط وسحب الجنسية لا تحتوي تلك العناصر والأوصاف التي تحتويها وتوصف بها أعمال السيادة، وبالتالي فلا سبيل لإقحامها في طائفة تلك الأعمال، كونها على الحقيقة قرارات إدارية عادية يفترض ألا تصدر من الإدارة إلا في حدود ما يقرره القانون وتحت رقابة القضاء، وإلا لما تم تنظيمها في تشريع قانوني حدد قواعد وشروط السحب والاسقاط على النحو الوارد بنصوص المرسوم رقم 15/1959 بشأن قانون الجنسية.
ولا وجه للتحدي – في هذا المقام – بما جاء بأسباب الحكم من أن: “مسائل الجنسية (على إطلاقها) بدولة الكويت وما يتعلق بها من قرارات تتسم بطابع سياسي أملته اعتبارات خاصة تتعلق بكيان الدولة… وهي بهذا تعد من أعمال سيادة التي تصدر من الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة.”، باعتبار أن فكرة المحافظة على كيان الدولة وسلامتها واستتباب أمنها الداخلي والذود عن سيادتها في الخارج لا تتسع لتشمل كل القرارات المتعلقة بالجنسية، خاصة تلك المتعلقة بإسقاطها وسحبها، وهو ما يكون معه الرأي الذاهب إلى عدم اختصاص المحكمة ولائيا بالرقابة على تلك القرارات لتعلقها بأعمال السيادة، قائم على غير أساس سليم من الواقع والقانون.
وإن كان هناك ما يبرر “نظريا” تمتع جهة الإدارة بسلطة تقديرية واسعة في إصدارها لقرارات منح الجنسية أو رفض منحها، إلا أن ذلك يجب ألا يمتد – بأي حال من الأحوال – ليطال قرارات سحب الجنسية وإسقاطها بعد أن تعلق بها حق ومصير ومستقبل من حصل عليها إلا في إطار القانون وضمن شروطه ومحدداته وتحت رقابة القضاء، حتى لا تكون مصائر الناس وحاضرهم ومستقبلهم معلق بيد السلطة دون أي ضمانة تكف للأفراد حقوقهم.
ولأن القرارات المتعلقة بسحب واسقاط الجنسية تقع على درجة عالية من الخطورة والأهمية، باعتبار أن الجنسية هي الأصل الذي يتفرع منه والقاعدة التي تقوم عليها كل حقوق المواطنة، وبالتالي فلا يصح أو ينسجم مع منطق الحرية أو العدالة أو القانون والمفترض أنه الدرع الحامي والحصن الحافظ لهما، القول بأن تلك القرارات تعتبر من أعمال السيادة التي يترك الأمر بشأنها لإرادة الإدارة تجريه كيفما تشاء دون معقب عليها ولا قضاء يراقبها إذا ركبت متن الشطط أو انحرفت عن الغاية من التشريع أو تعسفت في استخدام سلطتها، لتجعل من إرادتها سيفا مسلطا على رقاب كافة المواطنين.
ولا يقل خطورة عما تقدم عدم اعتبار الحكم – محل التعليق – النص المانع من الرقابة على تلك القرارات نصا معيبا سالبا لاختصاص القضاء مقيدا لحقه وحاجبا له عن القيام بواجبه بالرقابة على أعمال الإدارة وحائلا دونه ودون أداء الأمانة الملقاة على عاتقها في التصدي لتغول السلطة – إن وقع – ورفع الظلم والحيف الذي قد يلحق بالمواطنين نتيجة لذلك، في مسألة من أخطر المسائل التي قد تصيب المواطن وتودي بكل حقوقه، وهو ما يؤدي إلى هدم قيم العدالة التي ما قامت المحاكم إلا لتشييد بنيانها ونصب ميزانها والسهر على حمايتها والذود عن حدودها، بل ذهب الحكم بعيدا عن ذلك – وعكسه تماما – ليقرر أن كافة القرارات المتعلقة بالجنسية – بما فيها قرارات السحب والاسقاط – تعتبر سياسية بطبيعتها وهو ما يدخلها في نطاق أعمال السيادة، وأن نص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من قانون إنشاء الدائرة الإدارية لا يعدو كونه تأكيدا من المشرع على ذلك، وهو ما اعتبره صورة للتطبيق الأمثل لإعمال المفهوم الصحيح لمبدأ الفصل بين السلطات، وكأن الحكم فيما تقدم يثني على مسلك المشرع في هذا الشأن.
وواقع الحال أن ما اعتبره الحكم (التطبيق الأمثل للمفهوم الصحيح لمبدأ الفصل بين السلطات) هو في حقيقته يتعارض مع هذا المبدأ وينتقص منه بالقدر الذي ينتقص من حق المحاكم بالرقابة على أعمال الإدارة، ذلك أن أعمال السيادة تعتبر – أو يفترض بها كذلك – خروج عن مبدأ الفصل بين السلطات واستثناء غير محمود عند عامة الفقه والقضاء عليه، كونه يخرج أعمال السلطة التنفيذية عن رقابة المشروعية المناطة بالسلطة القضائية، باعتبار أن هذه الأخيرة سلطة أصلية تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتستمد وجودها وكيانها واختصاصها من الدستور ذاته، وقد أناط بها الدستور وحدها أمر العدالة مستقلة عن باقي السلطات، وعليه فإن من أهم النتائج المترتبة على الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، أن تمتد ولاية هذه السلطة للفصل في كافة المنازعات، خاصة تلك التي أدخلها الدستور في عموم ولايتها واختصاصه، وينبني على ذلك أن كل تقييد لوسيلة المطالبة القضائية هو في حقيقته تقييد لوظيفة القضاء في مزاولة اختصاصه، بما ينطوي عليه ذلك من تعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، وإهدار للحقوق ذاتها التي كفلها الدستور.
وحيث أن الحرية الشخصية – كما قررت أحكام القضاء الإداري في الكويت – هي ملاك الحياة الإنسانية كلها، لا تخلقها الشرائع بل تنظمها، لا توجدها القوانين بل توفق بين شتى مناحيها ومختلف توجيهاتها تحقيقا للخير المشترك للجماعة ورعاية للصالح العام، فهي لا تقبل من القيود إلا ما كان هادفا إلى هذه الغاية مستوحيا تلك الأغراض، الحق في الجنسية – باعتباره فرعا من فروع الحرية الشخصية – حق مقرر قانونا لا يجوز مصادرته دون علة، ولا مناهضته دون مسوغ، ولا يجوز الحد منه أو انتقاصه إلا لمصلحة عامة في حدود القوانين واللوائح ودون تعسف أو انحراف في استعمال السلطة وقد كفلها الدستور والقانون، وقرر لها من الضمانات ما تسمو به عن المآرب الشخصية وتنأى به عن الهوى وتكفل لأبناء البلاد جميعا تمتعهم بذلك الحق، وهي لا تقبل من القيود إلا ما كان يهدف منها للخير المشترك للكافة ورعاية الصالح العام.
وعليه يتبين أن ما ذهب إليه الحكم من اعتبار كافة القرارات المتعلقة مسائل الجنسية – بما فيها قرارات السحب والاسقاط – تعد بطبيعتها من أعمال السيادة المحجوبة عن نظر القضاء، فيه توسع شاذ وغير محمود لإعمال نظرية أعمال السيادة بما يترتب على ذلك من هدر للضمانات والحقوق المقررة للأفراد – في مسألة من أخطر المسائل والتي تعتبر الأصل والقاعدة لكل الحقوق الأخرى المقررة للمواطنين – والتي يقع على عاتق القضاء واجب حمايتها.

المبحث الثاني: تعطيل بعض النصوص وإهدار نصوص أخرى:
ونستبق ذلك بالمقدمة التالية:
جاء بأسباب الحكم أن: “لكل نص مضمون مستقل إلا أن ذلك لا يعزله عن باقي النصوص الأخرى بل يتعين أن يكون تفسيره متساندا معها وذلك بمفهوم ملوله على نحو يقيم بينها التوافق وينأى بها عن التعارض وبالنظر إليها بوصفها وحدة واحدة متآلفة فيما بينها متجانسة معانيها متضافرة مراميها يكمل بعضها بعضا بما لا ينفلت معها متطلبات تطبيقها أو يحيد بها عن الغاية المقصودة منها، فالنصوص لا تفهم معزولة بعضها عن بعض إنما تتأتى دلالة أي منها في ضوء ما تفيده دلالة النصوص الأخرى من معان شاملة.”
وهذه الفقرة الواردة بالحكم – محل التعليق – تتناقض تناقضا صارخا مع ما جاء بعدها بذات الحكم من أسباب وما انتهى إليه من نتيجة.
فهذه الفقرة – المشار إليها – تنطلق من فرضية صحيحة وهي أن تطبيق أي نص من نصوص القانون يفترض أن يأخذ في الاعتبار كل النصوص الأخرى التي تتناول ذات المسألة وأن يعمل على صيرورة التوفيق بينها في التطبيق بما يؤدي إلى إعمالها مجتمعة دون إهدار أيا منها.
إلا أن حكم محكمة التمييز – محل التعليق – قد أهدر بقضائه جملة من النصوص المتعلقة بذات الموضوع، ولم يعلق على بعضها بل أنه لم يأتي على ذكره مطلقا، رغم ارتباطه ارتباطا وثيقا بموضوع الدعوى، ومنها نص المادة (27) من الدستور والتي جرى نصها على أن: “الجنسية الكويتية يحددها القانون. ولا يجوز إسقاط الجنسية أو سحبها إلا في حدود القانون.”
كما حمل الحكم – محل التعليق – نصوصا أخرى فوق ما تحتمل من التفسير والتأويل مخرجا إياها عن سياقها الصحيح، ومؤديا بها إلى عكس النتيجة المراد منها، وهي نصوص قانون الجنسية الكويتية رقم 15/1959 عندما قرر بقضائه أن مفاد نصوص هذا القانون ومذكرته الإيضاحية تجعل من المسائل المتعلقة بالجنسية من أعمال السيادة التي تخرج عن نطاق رقابة المحاكم.
ونتناول هذه المسائل في الفرعين التاليين:
الفرع الأول: تعطيل نص المادة (27) من الدستور والخروج عن مقتضياتها:
نصت المادة (27) من الدستور (والتي جاء ترتيبها الأول في الباب الثالث منه وهو الباب المتعلق بالحقوق والواجبات العامة، بما يكشف عن أهميتها وخطورة الموضوع الذي تتناوله، بما أهلها ليس لأن توضع في الدستور باعتباره الوثيقة القانونية الأسمى فحسب، بل لأن تكون أول ما يرد في بابه الخاص بالحقوق العامة) على أن: “الجنسية الكويتية يحددها القانون. ولا يجوز إسقاط الجنسية أو سحبها إلا في حدود القانون.”
وهذا النص يقرر قاعدة أساسية آمرة لا تحتمل التأويل والتفسير، ومقتضى هذه القاعدة أن أي قرار بسحب أو إسقاط الجنسية لا يكون صحيحا إلا إذا صدر في حدود القانون منضبطا بضوابطه وملتزما بشروطه ومتوافقا مع نصوصه دون انحراف عنه أو خروج عن مقتضياته.
ومن البديهي القول أنه لا ضمانة لصدور هذه القرارات على النحو المشار إليه ما لم تتحقق للأفراد ضمانة الرقابة القضائية عليها وانعقاد اختصاص القضاء بفحصها والنظر في موضوعها ليتبين حقيقتها ومدى إلتزامها بحدود المشروعية المفروضة على جهة الإدارة بنص الدستور.
فإذا كانت الجنسية حق للمواطن، ولا يجوز إسقاطها أو سحبها إلا في حدود القانون، فلا قيمة لهذا الحق طالما انتفت وسيلة حمايته، ذلك أن تقرير أي حق ما وحجب الوسيلة القضائية التي يمكنها حمايته أمر قد يكون من شأنه أن يجعل تقرير هذا الحق من قبيل العبث.
وما يؤكد حرص المشرع الدستور على إضفاء أقصى حماية ممكنة لهذا الحق وإحاطته بكل الضمانات التي تحول دون انفراد السلطة التنفيذية وحدها دون رقيب عليها من اتخاذ القرارات المتعلقة بسحب واسقاط الجنسية، ما جاء بمحاضر لجنة وضع الدستور – باعتبارها من الأعمال التحضيرية التي تؤخذ بالاعتبار عند تفسير وتطبيق النصوص – والتي يتبين من الاطلاع على النقاشات التي دارت فيها مدى الأهمية التي أولها أعضاء المجلس التأسيسي لهذا الموضوع.
حيث ذهب عدد من الأعضاء للمطالبة بالنص على عدم جواز اسقاط الجنسية الكويتية مطلقا ومهما كانت الظروف عن الكويتي بالولادة (أي الكويتي بالتأسيس أو بصفة أصلية)، وأن المتجنس يجوز سحبها منه في حدود القانون، وأن ذلك أدعى لاطمئنان المواطنين، وحتى لا تستخدم الحكومة سلطتها في سحب الجنسية بالمخالفة للقانون، أو دون رقابة من القضاء. وقد أكد ممثل الحكومة في تلك الاجتماعات أن هذا الأمر لن يحدث ولن يتخذ شيء من هذا القبيل وأن اسقاط الجنسية لا يكون إلا في حدود القانون.
إن ما جاء في هذه المحاضر يؤكد ويثبت أن المشرع الدستوري كان حريصا أشد الحرص على إضفاء أقصى حماية ممكن لحق الجنسية، وأنه سعى لإحاطتها بكل الضمانات اللازمة التي تحول دون انفراد السلطة التنفيذية باتخاذ القرارات المتعلقة بالسحب والاسقاط دون رقابة قضائية عليها، حيث تعامل مع هذا الموضوع بحساسية بالغة وبما يستوجبه من أهمية نظرا لخطورته، يشهد على ذلك كثرة وتعدد المناقشات التي دارت في اللجنة حول نص المادة (27) المشار إليها وتعدد الصيغ المقترحة بشأنها، والتي كانت جميعا إما لا تجيز اسقاط الجنسية، أو أن يكون الاسقاط والسحب في حدود القانون.
وما تقدم يقطع بحقيقة أن القرارات المتعلقة بالسحب والإسقاط ذات طابع إداري عادي ولا تتعلق مطلقا بأعمال السيادة، وتصديقا لذلك قيدها المشرع الدستوري بقيد القانون مقررا في ذلك عدم جواز اسقاطها أو سحبها إلا في حدوده.
وإذا كان التفسير الذي ينسجم مع المنطق القانوني السليم يفترض – كما قرر الحكم محل التعليق في أسبابه المشار إليها سلفا – أن يأخذ بالاعتبار كل النصوص التي تتناول المسألة الواحدة ويعمل على صيرورة التوفيق بينها في التطبيق بما يؤدي إلى إعمالها مجتمعة دون إهدار أيا منها، فإن الحكم قد ناقض نفسه في واقع الحال عندما أهدر نص المادة (27) من الدستور المشار إليها ولم يأتي على ذكرها مطلقا ولم يعلق على ما تضمنته من أحكام لازمة جازمة آمرة رغم ارتباطها الوثيق بموضوع الدعوى، بل أنها تعتبر القاعدة الأساسية للحق المطالب به، وهو ما يعني أنه عطل تطبيق هذا النص تعطيلا كاملا، بما يعيب الحكم بالتناقض ومخالفة القانون والقصور بالتسبيب.

الفرع الثاني: تعطيل نصوص المرسوم رقم 15/1959 بقانون الجنسية والخروج عن مقتضياته:
جاء بأسباب الحكم: “أن مفاد ما أوردته نصوص قانون الجنسية الكويتية رقم 15/1959 ومذكرته الإيضاحية أن مسائل الجنسية في دولة الكويت وما يتعلق بها من قرارات تتسم بطابع سياسي أملته اعتبارات خاصة… وهي بهذا تعد من أعمال السيادة.”
والحكم فيما تقدم من أسبابه ابتدع أمر لم يدلل عليه، وهو اعتباره للقرارات المتعلقة بكافة مسائل الجنسية من أعمال السيادة العصية على الرقابة القضائية، وقد سبق تناول هذا الموضوع بالتعليق والنقد فلا نعود إليه.
وقد سبق للحكم أن أورد تبريرا للحكمة التي تقضي استبعاد أعمال السيادة من رقابة القضاء وذلك بقوله إن ذلك: “يأتي تحقيقا للاعتبارات السياسية التي تقتضي النأي بها عن نطاق الرقابة القضائية لاتصالها بسيادة الدولة في الداخل والخارج وفي أنها لا تقبل بطبيعتها أن تكون محلا للتقاضي… لأن النظر فيها أو التعقيب عليها يقتضي توافر معلومات وعناصر وموازين تقدير مختلفة لا تتاح للقضاء…”
وهذا التبرير – للنأي بأعمال السيادة عن الرقابة القضائية – بالقطع لا ينطبق على القرارات المتعلقة بسحب واسقاط الجنسية، لأن هذه القرارات تتعلق بالحقوق والحريات، ولا يجوز أن تصدر إلا في حدود القانون وفقا لنص المادة (27) من الدستور، وهو يقتضي أن يكون لها سبب وأن يكون هذا السبب صحيحا ومشروعا ومطابقا للقانون، وهذا يستلزم بالضرورة اخضاعها لرقابة القضاء للتحقق من مشروعيتها وصحة أسبابها، وغياب هذه الرقابة يعني نزع كل حماية وضمانة يفترض أنها مقررة ومكفولة للمواطنين، والتسليم للسلطة التنفيذية بحق اتخاذ قرارات السحب والاسقاط دون أدنى التزام بالشروط والضوابط التي يقررها القانون في هذا الشأن، وهذا في الحقيقة هو عين ما يهدد كيان المجتمع والدولة معا لما فيه من إهدار للحقوق وإنكار للعدالة يفقد المواطن معها الشعور بالأمن والاستقرار، وتجعله دائما في حالة ريبة وعدم اطمئنان بعد أن ترك مكشوفا أمام جور السلطة.
وناهيك عن مخالفة الحكم – فيما تقدم من أسبابه – لنص المادة (27) من الدستور المشار إليها سلفا، فقد خالف الحكم ذات القانون الذي استدل به (وهو المرسوم رقم 15/1959 بقانون الجنسية)، محملا إياه فوق ما يحتمل من التفسير والتأويل بما يخرجه عن سياقه الصحيح، ومؤديا به إلى عكس النتيجة المراد منها، عندما قرر بقضائه أن مفاد نصوص هذا القانون ومذكرته الإيضاحية تجعل من المسائل المتعلقة بالجنسية من أعمال السيادة التي تخرج عن نطاق رقابة المحاكم.
ذلك أن هذا القانون – وانسجاما مع نص المادة (27) من الدستور – قد وضع وحدد شروطا وضوابط لا يجوز سحب أو اسقاط الجنسية إلا في حدودها، وهو ما يعني أن حق الإدارة بسحب أو اسقاط الجنسية – وفقا لنصوص ذات القانون – هو حق مقيد بشرط التزامها بالضوابط التي حددها ونص عليها، ولا قيمة لهذه الشروط وتلك الضوابط طالما حجب القضاء نفسه عن واجبه في الرقابة عليها، ذلك أنه لا معنى لتقرير حق ما وحجب الوسيلة القضائية التي يمكنها حمايته، وتركها رهينة لهوى ومزاج الإدارة دون معقب عليها، فذلك – كما سبق البيان – يجعل من تقرير تلك الحقوق من قبيل العبث، الذي يترتب عليه عمليا تعطيلها وإهدارها بما يعني تعطيل كل النصوص المقررة لها وإهدار لكل أحكامها وشروطها والضمانات المرتبطة بها.
فإذا كانت الجنسية حق يكفله الدستور ولا يجوز سحبها أو اسقاطها إلا في حدود القانون، وقد وضع القانون الشروط والضوابط التي لا يجوز سحب أو اسقاط الجنسية إلا في حدودها، فلا يجوز بعد ذلك للقضاء ولا مسوغ له في حجب نفسه عن واجبه في النظر والرقابة على القرارات المتعلقة بها باعتبار أنه لا يمكن التحقق من التزام الإدارة بهذه الشروط والضوابط إلا بإعمال الرقابة القضائية عليها، لأن حجب القضاء نفسه عن القيام بهذا الواجب يعني تعطيل لكافة النصوص المقررة في هذا الشأن وإهدار لكافة الضمانات والحقوق المقررة للمواطنين وتركهم رهينة لهوى السلطة وإرادتها.
وعلى فرض – والفرض غير الواقع – أن القرارات المتعلقة بالجنسية تعتبر من أعمال السيادة وفقا المرسوم رقم 15/1959 بقانون الجنسية، فإن صدور الدستور الكويتي باعتباره الوثيقة القانونية الأسمى – الذي جاء لاحقا لصدور هذه المرسوم – بما احتواه من نص المادة (27) وعلى ضوء المناقشات التي دارت حولها في لجنة وضع الدستور – المشار إليها سلفا – تؤكد نزع المشرع الدستوري لأي صفة سيادية لهذه القرارات على فرض وجودها أصلا.
ومخالفة الحكم محل التعليق لما تقدم يجعله مشوبا بمخالفة القانون والخطأ في تطبيق القانون والفساد بالاستدلال والقصور بالتسبيب.

المبحث الثالث: خروج الحكم عن التفسير الصحيح للنص (المانع) الوارد بالفقرة (خامسا) من المادة (1) من قانون إنشاء الدائرة الإدارية:
تنص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من المرسوم بالقانون رقم 20 لسنة 1981 بإنشاء دائرة بالمحكمة الكلية لنظر المنازعات الإدارية، على أن: “تنشأ بالمحكمة الكلية دائرة إدارية…، وتختص دون غيرها بالمسائل الأتية، وتكون لها ولاية قضاء الإلغاء والتعويض:
أولاً:………… ثانياً:……….. ثالثاً:……….. رابعاً:……….
خامساً: الطلبات التي يقدمها الأفراد أو الهيئات بإلغاء القرارات الإدارية النهائية عدا القرارات الصادرة في شأن مسائل الجنسية وإقامة وإبعاد غير الكويتيين وترخيص اصدار الصحف والمجلات ودور العبادة.”
وما ذهب إليه الحكم من تفسير واسع لهذا النص معتبرا أن كافة المسائل المتعلقة بالجنسية محجوبة عن رقابة المحكمة لا يقوم على أساس سليم لمخالفته لمقتضيات إعمال وتطبيق نص المادة (27) من الدستور، ونصوص المرسوم رقم 15/1959 المشار إليهما سلفا، إذ أن تفسير نص الفقرة (خامسا) من المادة (1) المشار إليها على الوجه الذي تبناه الحكم محل التعليق يعني تعطيل وإهدار النصوص الأخرى المشار إليها على الوجه المبين تفصيله سلفا.
ذلك أن النص السالب والمانع من نظر بعض الدعاوى والحاجب للقضاء عن القيام بواجبه في الرقابة على أعمال الإدارة، يعد استثناء على القاعدة وخروجا على الأصل العام في خضوع كل قرارات الإدارة لرقابة القضاء، والمستقر فقها وقضاء أن الاستثناء لا يتوسع فيه ولا يقاس عليه، وتفسيره يجب أن يكون في أضيق الحدود، والمحكمة في إعماله تسعى إلى تقليص نطاقه ومداه ما وسعها ذلك.
ولما كان حق الإدارة بسحب واسقاط الجنسية هو حق مقيد – أو هكذا يفترض – بشرط التزامها بالضوابط التي حددها ونص عليها المرسوم رقم 15/1959 بقانون الجنسية، ولا يمكن التحقق من التزام الإدارة بهذه الشروط والضوابط إلا بإعمال الرقابة القضائية عليها.
ولا نحسب أن المشرع بوضعه للنص المشار إليه (نص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من المرسوم بالقانون رقم 20 لسنة 1981 التي يحتج بها أنصار الرأي المشار إليه) قد أراد تحصين قرارات اسقاط وسحب الجنسية وحجب القضاء عن حقه – بل وواجبه – في الرقابة عليها، خاصة وأن المادة (27) من الدستور قد نصت على أن: “الجنسية الكويتية يحددها القانون. ولا يجوز إسقاط الجنسية أو سحبها إلا في حدود القانون.”، وهو ما يعني أن قرارات السحب والإسقاط يجب أن تكون متسقة مع القانون ومتوافقة مع نصوصه دون انحراف عنه أو خروج عن مقتضياته، ولا ضمانة لصدور هذه القرارات على النحو المشار إليه ما لم تتحقق للأفراد ضمانة الرقابة القضائية عليها وانعقاد اختصاص القضاء بفحصها والنظر في موضوعها ليتبين حقيقتها ومدى إلتزامها بحدود المشروعية المفروضة على جهة الإدارة بنص الدستور.
وإلا ما فائدة أن يقرر الدستور عدم جواز إسقاط الجنسية أو سحبها إلا في حدود القانون، ويأتي القانون – منسجما مع الخطاب الدستوري – ليضع الشروط والضوابط اللازم توافرها لاتخاذ مثل هذه القرار، ثم تنتفي بعد ذلك ضمانة الرقابة القضائية عليها، ليترك الأمر بشأنها رهين بإرادة الإدارة دون معقب عليها، أليس في ذلك إهدار لنص الدستور ونصوص قانون الجنسية، أو في الحد الأدنى انحرافا عن التفسير الذي ينسجم مع المنطق القانوني السليم لمجموع تلك النصوص؟!
ولأن التفسير الذي ينسجم مع المنطق القانوني السليم – كما سلف البيان – يفترض أن يأخذ بالاعتبار كل النصوص التي تتناول المسألة الواحدة ويعمل على صيرورة التوفيق بينها في التطبيق بما يؤدي إلى إعمالها مجتمعة دون إهدار أي منها.
وحيث أنه إذا تفرقت أوجه الرأي في إعمال النصوص المتعددة التي تتناول المسألة الواحدة وفي تفسيرها بما يحقق غاية المشرع منها، فإن المحكمة تجنح في ذلك للأخذ بما ينتصر للحق والعدل والمساواة والحرية ويرسخ مقتضياتها، وبما ينحاز لدور وواجب القضاء في النظر بأعمال الإدارة وبسط رقابة المشروعية على قراراتها.
وحيث أن التفسير القانوني الأقرب إلى ترسيخ العدالة وارساء قاعدة المشروعية وإلى المحافظة على حقوق وحريات الناس والذي ينسجم مع المنطق القانوني السليم في إعمال النصين – الدستوري والقانوني – على النحو الذي يحقق الغاية منهما، يقودنا للقول – دون شك أو وجل أو تردد – إلى أن المنع الوارد في نص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من المرسوم بالقانون رقم 20 لسنة 1981 بإنشاء دائرة بالمحكمة الكلية لنظر المنازعات الإدارية، يفترض أن ينصرف لقرارات المنح والمنع دون قرارات السحب والإسقاط، بعد أن تعلقت بهذه القرارات الأخيرة حقوق ومصائر من يحملون الجنسية واستقرت على أساسها أوضاعهم وترتبت عليها كل تفاصيل حياتهم في الحاضر والمستقبل.
ذلك أن عدم تفسير وإعمال تلك النصوص على الوجه المتقدم يعني تعطيل وإهدار بعضها من ناحية، وعدم تحقق أبسط الضمانات اللازمة للمواطنين في عيشهم وأهم ما يمس حياتهم حاضرا ومستقبلا من ناحية أخرى، وهو ما يهدد كيان كل فرد من أفراد المجتمع ويجعل حياتهم أبعد ما تكون عن الاستقرار بعد أن يترسخ في ذهن وعقل كل منهم أنه قد يكون عرضة – في أي وقت في أي وقت من الأوقات ولأي سبب من الأسباب – لمثل هذه القرارات التي تسقط معها كل حقوقه كمواطن، ولن يجد له بعد ذلك في القضاء ذلك الركن الشديد الذي يأوي إليه، والملاذ الآمن الذي يحميه، والملجأ الحصين الذي يعصمه.
وعليه فإن اقران نص المادة (27) من الدستور ونصوص المرسوم رقم 15/1959 بقانون الجنسية بنص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من قانون إنشاء الدائرة الإدارية ومحاولة تفسيرها كلها معا – في إطار من الفهم القانوني السليم الذي يحقق المصلحة العامة – سعيا لإعمالها جميعا دون تعطيل أو إهدار لأي منهما – وبما يلبي غاية كل من المشرع الدستوري والمشرع العادي – يؤدي إلى القول بأن المنع الوارد بالقانون إنما قصد به قرارات المنح أو المنع دون قرارات السحب والإسقاط، وذلك انسجاما مع القواعد المستقرة في التضييق من نطاق الإستثناءات التي ترد في القانون، وانحيازا لمبادئ الحرية والعدالة وحق الفرد في اللجوء للقضاء دفاعا عن حقه، وواجب القضاء في التصدي لأعمال وقرارات الإدارة وإعمال رقابته عليها.
وهذا ما تبناه وذهب إليه بحق حكم محكمة التمييز في الطعون أرقام 647، 659، 694 لسنة 2015 إداري/1 الصادر بتاريخ 23/3/2016 والذي جاء فيه: “أن الأصل الدستوري هو أن حق التقاضي مكفول للناس كافة… لذلك كان الأصل في حق التقاضي هو خضوع الأعمال والقرارات الإدارية لرقابة القضاء وحظر تحصين أيا منها من هذه الرقابة، وإن وجد هذا الحظر فهو استثناء وقيد على أصل الحق فلا يجوز التوسع في تفسيره أو القياس عليه بما يمحو الأصل أو يجور عليه أو يعطله أو يتغول عليه، فيقتصر على الحالات وفي الحدود التي وردت به.”
ويضيف الحكم – بعد أن استعرض الاستثناء الوارد بنص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من قانون إنشاء الدائرة الإدارية – أن: “هذا الاستثناء يعد قيدا على حق التقاضي لما ينطوي عليه من حرمان ذوي الشأن من اللجوء إلى القضاء والطعن على القرارات الصادرة في مسائل الجنسية باعتبار أن حق التقاضي هو وسيلة حمايتها وضمان فاعليتها… ولذلك فإن هذا الاستثناء يتعين قصر نطاقه على القرارات المتعلقة بمنح الجنسية أو رفض منحها باعتبار أنها ترتبط بكيان الدولة وحقها في اختيار من يتمتع بجنسيتها… ومما يؤكد هذا النظر أن المادة 27 من الدستور قد نصت على أن (الجنسية الكويتية يحددها القانون ولا يجوز إسقاط الجنسية أو سحبها إلا في حدود القانون) وهذا الأمر لا يتأتى تحقيقه إلا بالرقابة القضائية على أعمال الإدارة، ومن ثم يجوز الطعن عليها إلغاء وتعويضا.”
ويستطرد الحكم أنه: “لا محل للقول بأن القرار الصادر في هذا الشأن يعد عملا من أعمال السيادة التي لا يجوز للمحاكم نظرها… ذلك أنه من المقرر أن المشرع لم يورد تعريفا أو تحديدا لأعمال السيادة وترك أمر تحديدها للقضاء اكتفاء بإعلان وجودها ومن ثم تكون المحاكم هي المختصة بتقرير الوصف القانوني للعمل الصادر من الحكومة وما إذا كان يعد من أعمال السيادة من عدمه… لما كان ذلك وكان الثابت بالأوراق أن الطاعن كان يحمل الجنسية الكويتية ومن ثم فإن دعواه لا تتعلق بطلب منه الجنسية الكويتية أو إلغاء قرار منعها عنه كما أن المرسوم المطعون فيه بسحب جنسيته لا يعد عملا من أعمال السيادة على النحو الموضوح سلفا ومن ثم يخرج عن نطاقها ويكون عملا من أعمال الإدارة التي تخضع لرقابة القضاء.”

وقد أكدت محكمة الاستئناف ذات المبادئ السالفة وذلك بحكمها بالاستئناف رقم 2220/2015 إداري/2 الصادر بتاريخ 30/1/2017.

المبحث الرابع: فيما يتعلق بالمسألة الدستورية:
رغم أن الحكم – محل التعليق – قد اعتبر أن كافة القرارات المتعلقة بمسائل الجنسية – بما فيها قرارات السحب والاسقاط – من أعمال السيادة بطبيعتها وأن الحظر الوارد بنص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من قانون انشاء الدائرة الإدارية على رقابة المحكمة لهذه القرارات لا يعدو كونه تأكيدا لهذا الأمر وليس منشأ له، بما يعني أن حجب المحكمة لنفسها عن الرقابة على تلك القرارات لم يكن مصدره النص المشار إليه وإنما تكييفها لتلك القرارات باعتبارها من أعمال السيادة. وهو ما سبق التعليق عليه ونقده بهذه الدراسة فلا نعود إليه.
ومع ذلك فإنه يهمنا التطرق لهذا النص لبيان مخالفة للدستور، وذلك على ضوء آراء الفقه وأحكام القضاء.
ونعرض لهذا الأمر في فروع ثلاثة، وذلك على النحو التالي:
الفرع الأول: أوجه مخالفة نص الفقرة (خامسا) لبعض مواد الدستور:
نعرض هنا باختصار لأوجه مخالفة النص المشار إليه لنصوص المواد: (7)، (8) (27)، (29)، (50)، (53)، (162)، (166)، (169) من الدستور الكويتي، وذلك على التفصيل التالي:

نص المواد (7)، (8) من الدستور:
حيث تنص المادة (7) على أن: “العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع…” في حين نصت المادة (8) على أن: “تصون الدولة دعامات المجتمع وتكفل الأمن والطمأنينة…”، إذ كيف يتحقق العدل وتصان الحرية في ظل حرمان الناس من حقهم في الدفاع عن أنفسهم في مواجهة قرارات السلطة، وفي ظل امتناع القضاء عن الرقابة على تلك القرارات التي تمس حريتهم وحياتهم؟! وكيف تتأتى كفالة أمن واطمئنان المجتمع وأفراده في ظل تعلق مصيرهم بيد السلطة دون رقابة عليها أو ضمانة تكفل لهم صون حقوقهم والدفاع عنها في مواجهتها؟!

نص المادة (27) من الدستور:
“الجنسية الكويتية يحددها القانون. ولا يجوز اسقاط الجنسية أو سحبها إلا في حدود القانون.”
وحيث أن الدستور عندما ينص على الحقوق ويكفلها فإن مؤدى ذلك أن تتمتع هذه الحقوق بالحماية القانونية التي تتمثل في تمكين الأفراد من التقاضي بشأنها، فالأمور جرت على أن يكفل الدستور الحق ويترك تنظيم هذا الحق للقانون بحيث يتعين على القانون في تنظيمه لهذا الحق ألا يهدره وإلا صار قانونا غير دستوري.
وحيث أن ما يقرره الدستور لا يجوز أن ينقضه أو ينتقص منه القانون، ولما كان النص المانع من التقاضي يترتب عليه تجريد الحق الموضوعي من وسيلة حمايته حماية فعالة… حال أن تجريد الحق من وسيلة اقتضائه هو إهدار للقانون ذاته بتجريد الحق من الحماية القضائية المقررة له، وهذا التجريد يخل بدوره بقواعد الدستور وبالحقوق التي كفلها.
نصوص المواد (50)، (53) من الدستور:
تنص المادة (50) من الدستور على أن: “يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات مع تعاونها وفقا لأحكام الدستور. ولا يجوز لأي سلطة منها النزول عن كل أو بعض اختصاصها المنصوص عليه في هذا الدستور.”
إن من أهم النتائج المترتبة على الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، واعتبار السلطة القضائية سلطة مستقلة، تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية، أن تمتد ولاية هذه السلطة للفصل في كافة المنازعات، خاصة تلك التي أدخلها الدستور في عموم ولايتها واختصاصه.
ولا شك بأن انتقاص المشرع لاختصاص القضاء عن طريق منعه من ولايته نظر بعض المنازعات يعني تقيده لحق التقاضي، والاعتداء على هذا الحق هو اعتداء في الوقت نفسه على القضاء، عندما يحرمه من مباشرة وظيفته في حل المنازعات، ويمنع الأفراد من الالتجاء إلى قاضيهم الطبيعي.
وينبني على ذلك أن كل تقييد لوسيلة المطالبة القضائية هو في حقيقته تقييد لوظيفة القضاء في مزاولة اختصاصه، بما ينطوي عليه ذلك من تعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، وإهدار للحقوق ذاتها التي كفلها الدستور.
وحيث تنص المادة (53) من الدستور على أن: “السلطة القضائية تتولاها المحاكم في حدود الدستور”
وهو ما يعني أن ولاية المحاكم تشمل كل ما جعله الدستور في نطاق اختصاصها، وحيث أن الدستور قد أطلق اختصاص المحاكم ليكون شاملا لولاية الإلغاء وولاية التعويض بالنسبة للقرارات الإدارية المخالفة للقانون – على نحو ما جاء بنص المادة (169) منه التي سيرد الحديث عنها لاحقا – وبالتالي فلا يجوز أن ينتقص من هذه الولاية أو يحد من نطاقها أو يستثنى منها بعض القرارات بأداة أدنى من الدستور ما دام لم يرد في هذا الأخير نص خاص يفوضها بهذا التقييد أو التحديد أو الاستثناء.
نص المادة (162) من الدستور:
“شرف القضاء، ونزاهة القضاة، وعدلهم، أساس الملك وضمان للحقوق والحريات.”
والنص المتقدم إذ جعل القضاء وعدل القضاة “ضمان للحقوق والحريات” لم يرد في الدستور عبثا، والمؤدى اللازم لهذا الأمر أنه كلما تعلق النزاع بالحقوق والحريات فليس للقضاء التخلي عن اختصاصه وواجبه الدستوري في التصدي للمسألة والأمر المعروض وفحص مشروعية التصرفات والقرارات الصادرة من السلطة بشأنها والتي تمس أي من هذه الحقوق والحريات، مهما كانت طبيعتها ووصفها.
باعتبار أنه لا يمكن أن يكون القضاء ضامنا حقيقيا للحقوق والحريات في ظل منعه – أو امتناعه – عن بسط رقابته على بعض قرارات وتصرفات السلطة التنفيذية التي تمس حقوق وحريات الأفراد بشكل مباشر لا سيما تلك المتعلقة بمسائل الجنسية والتي قرر الدستور عدم جواز اسقاطها أو سحبها إلا في حدود القانون، على النحو الثابت بالمادة (27) منه والمشار إليها سلفا.
كما أن المتقاضي الذي يوصد دونه باب القضاء ويحال بينه وبين قاض ينصفه لا يكون قد حظي بأية عدالة، إذ أن إيصاد باب التقاضي في وجه نوع معين من الأقضية والمنازعات هو في ذاته إنكار للعدالة.
نص المادة (166) من الدستور:
“حق التقاضي مكفول للناس، ويبين القانون الإجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق”
حيث أقام الدستور من حصانة القضاء واستقلاله، ضمانين أساسين لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم، فقد أضحى لازما – وحق التقاضي هو المدخل إلى الحماية – أن يكون هذا الحق مكفولا بنص صريح بالدستور، كي لا تنعزل حقوق الأفراد وحرياتهم عن وسائل حمايتها، بل تكون معززة بها، وتقارنها، لضمان فاعليتها.
ذلك أن حق التقاضي حق أصيل، مستمد من الأصول الدستورية، ومن ثم لا يجوز لأي سلطة أن تقيده، ويستوي في ذلك أن يكون القيد الوارد كليا أو جزئيا.
وعليه فلا يجوز أن يهدر أو يقيد أو يحرم أو ينتقص أو يستثني القانون ما كفله الدستور وقرره مطلقا دون قيد وكاملا دون نقصان وعاما دون استثناء، وبالتالي فإن أي مصادرة لحق التقاضي تقع باطلة وغير مشروعة ومنافية للأصول الدستورية، إذ لا يجوز أن تتناول جهة الإدارة حقوق الناس بما يصدر عنها من قرارات وتصرفات ويحرم أصحاب الحقوق في الوقت ذاته من الطعن عليها.
نص المادة (169) من الدستور:
“ينظم القانون الفصل في الخصومات الإدارية بواسطة غرفة أو محكمة خاصة يبين القانون نظامها وكيفية ممارستها للقضاء الإداري شاملا ولاية الإلغاء وولاية التعويض بالنسبة إلى القرارات الإدارية المخالفة للقانون.”
ويبين النص المشار إليه أن الدستور قد حمل القضاء الإداري مسئولية وواجب الرقابة على القرارات الإدارية المخالفة للقانون وجعلها ضمن دائرة اختصاصه ومشمولة بنطاق ولايته إلغاء وتعويضا.
وقد جاء النص عاما مطلقا دون أي قيد أو استثناء يسمح بتحصين أي قرار إداري أو يمنع القضاء من التصدي له.
وعليه فلا يملك المشرع نفسه دون أن يكون معتديا على سلطة القضاء – إذ يعتدي على حق التقاضي – اخراج منازعات بعينها من ولاية القضاء أو تحصين تصرف من التصرفات من رقابته. فإذا هو اخرج منازعة بعينها انتقص من سلطة القضاء، وإذا هو حصن تصرفا من التصرفات التي تضر بحق من حقوق الأفراد اعتدى على حق التقاضي، وهو لا يملك أيا من الأمرين.
وعليه فإن تحصين القرارات المتعلقة بمسائل الجنسية واستثنائها من الرقابة القضائية، يقع بالمخالفة للنص الدستوري المشار إليه، لما فيه من انتقاص لاختصاص القضاء ومصادرة – أو في الحد الأدنى تقييد – لحق التقاضي.

الفرع الثاني: موقف فقهاء القانون الدستوري من نص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من المرسوم بالقانون رقم 20 لسنة 1981 بإنشاء الدائرة الإدارية:
أمام وضوح النصوص الدستورية المشار إليها سلفا، لم يجد شراح القانون الدستوري في الكويت غضاضة من الحكم علي النص التشريعي المشار إليه بأنه مخالفة للدستور، وقد انعقد اجماعهم على ذلك، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر:
الأستاذ الدكتور عثمان عبد الملك الصالح – رحمه الله – الذي يرى: “أن ولاية القضاء الإداري وفقا لما يقضي به نص المادة (169) من الدستور هي ولاية كاملة تشمل قضاء الإلغاء والتعويض، كما أنها ولاية عامة تشمل كافة المنازعات ذات الطبيعة الإدارية… هذا فضلا عن أن عبارات هذا النص قد جاءت بصورة عامة مطلقة وبدون قيد أو تحديد. مما يعني أنه لا يجوز للقانون الذي يصدر بانشاء تلك الغرفة أو المحكمة أن يتضمن أحكاما تنتقص من ولايتها العامة الكاملة… والحقيقة أن وضع نص المادة (169) من الدستور إلى جانب باقي نصوص الدستور وعلى الأخص المواد 6، 52، 166 منه وتفسيرها تفسيرا شموليا سوف يبين لنا بوضوح أن النظام الدستوري الكويتي لا مجال فيه للتشريعات المانعة من التقاضي أو النصوص المحصنة لبعض القرارات الإدارية من الطعن فيها أمام القضاء، والتي تمنعه من أن يمارس عليها ولاية الإلغاء أو التعويض.”
ويضيف الأستاذ الدكتور عثمان عبد الملك بالقول: “أن صياغة نص المادة (169) من الدستور يفيد بيقين أن ولاية الغرفة أو الدائرة الإدارية هي ولاية عامة تشمل كافة المنازعات الإدارية على اطلاقها وإذا كان الأمر كذلك فإن نصوص قانون إنشاء الدائرة الإدارية التي حددت اختصاصاتها تحديدا شديدا تنطوي على مخالفة لصريح نص المادة (169) من الدستور الذي أطلق اختصاص الدائرة الإدارية وجعله شاملا لكافة المنازعات الإدارية دون قيد أو شرط، مما لا يتأتى معه تخصيصه بغير مخصص؛ نزولاً على القاعدة الأصولية العامة في التفسير، والتي تقضي بأن يؤخذ العام علي إطلاقه ما لم يوجد ما يخصصه. والمشرع الدستوري لم يفوض المشرع العادي في وضع نصوص تحد أو تنتقص من الولاية الكاملة للدائرة الإدارية بالنظر في المنازعات الإدارية على اطلاقها دون قيد أو استثناء. وعلى أساس من ذلك نرى عدم دستورية هذا النهج الذي اتبعه المشرع العادي في بيان اختصاص الدائرة الإدارية.”
ويعلق الأستاذ الدكتور عادل الطبطبائي على ذلك النص بالقول: “ويتضح من ذلك النص أن المشرع الكويتي لا يزال يحصن بعض أنواع القرارات الإدارية ويمنع المحاكم من التصدي لها بالإلغاء، وهي القرارات الخاصة في مسائل الجنسية…، ولا شك أن هذا النص تحيطه الشبهات الدستورية من كل جانب لأن المشرع الدستوري عندما نص في المادة (169) من الدستور على إنشاء محكمة خاصة أو غرفة بنظر المنازعات الإدارية منحها ولاية إلغاء القرارات الإدارية ويترتب على ذلك أن المشرع العادي لا يجوز له أن يخالف النص الصريح ويستثني منه طائفة من القرارات الإدارية ويحصنها من رقابة القضاء.”
ويضيف: “نخلص من ذلك أن حظر حق التقاضي بشق منه – دعوى الإلغاء، أو بشقيه معا – دعوى الإلغاء والتعويض – هو حظر غير مشروع ومخالف للدستور.”
في حين يذهب الأستاذ الدكتور محمد المقاطع عند تعليقه علي تحصين قرارات سحب الجنسية من رقابة القضاء إلي أنه: “من السبل التي يملك الفرد أن يلجأ إليها للمنازعة في قرارات سحب الجنسية هو أن يطعن بها قضائياً – إلا أنه من البين أن قانون المحكمة الإدارية قد حرم الأفراد من مثل هذا الحق وفقاً لنص مادته الأولي – مما يعني تعذر الطعن القضائي لأن القرارات الخاصة بمسائل الجنسية محصنة من الطعن القضائي بحكم النص القانوني – ولا شك أن هذا مسلك خاطئ فيه مخالفة للدستور.”
وما تقدم من آراء يكشف بشكل واضح عن موقف الفقه تجاه نص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من المرسوم بالقانون رقم 20 لسنة 1981 بإنشاء الدائرة الإدارية، وما انعقد من اجماع الفقهاء على عدم دستوريتها.

الفرع الثالث: موقف المحكمة الدستورية في الكويت من النصوص المانعة لحق التقاضي:
حيث سبق للمحكمة الدستورية الكويتية في حكمها الصادر في الطعن رقم 14 لسنة 2006 بجلسة 1/4/2007 أن تعرضت لأحد النصوص المانعة من نظر الدعوى منزلة المبادئ السابق بيانها عليه لتنتهي بقضائها إلى عدم دستوريته، وهو نص المادة (17) من المرسوم بالقانون رقم 4 لسنة 1987 بشأن التعليم العام والتي تضمنت قيدا على حق التقاضي بالنص على أنه: “لا تخضع قرارات الوزارة المتعلقة بإجراءات ونتائج الامتحانات للطعن أمام القضاء”
حيث جاء بقضاء المحكمة المشار إليه: “إن مبنى النعي على نص هذه المادة أنه قد انطوى على اخلال بحق التقاضي الذي كفله الدستور في المادة (166) منه… وحيث إن هذه المحكمة لدى إعمال ولايتها وممارسة اختصاصها في تقرير قيام المخالفة الدستورية التي علقت بالنص التشريعي أو نفى هذه المخالفة، عليها في إطار ما وسده إليها الدستور وقانون إنشائها أن تقيم المخالفة الدستورية – إذا ما ثبتت صحتها – على ما يتصل بها من نصوص الدستور. لما كان ذلك، وكان من المسلم به – كأصل عام لا يدع مجالاً للجدل فيه – أنه لا يكفى تقرير الحقوق والحريات للأفراد دون أن يقرن ذلك بحقهم في المطالبة بها والذود عنها وحمايتها وحق الدفاع عنها بالتقاضي بشأنها، وأن هذا الحق إنما هو مستمد من المبادئ الأولية للجماعة منذ أن انتظمتها نظم وأوضاع قانونية وقد تضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما لم يخل دستور من دساتير العالم من النص عليه وتوكيده، وبالتالي فإن كل مصادرة لحق التقاضي تقع باطلة، ومنافية لمبادئ حقوق الإنسان، ومخالفة للأصول الدستورية وقواعدها العامة. هذا وقد حرص الدستور الكويتي بالنص في المادة (166) منـه على كفالة حق التقاضي للناس كافة، كمبدأ دستوري أصيل، والمستفاد من هذا المبدأ هو حظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو تصرف أو أي قرار إداري تتخذه الجهة الإدارية في إطار مباشرتها لنشاطها العام من رقابة القضاء، وأنه وإن كان لا تناقض بين هذا الحق وبين جواز تنظيمه تشريعياً إلا أن ذلك مشروط بألا يتخذ المشرع من هذا التنظيم وسيلة إلى حظر هذا الحق أو إهداره هذا من ناحية، كما أنه من ناحية أخرى فقد تضمن الدستور النص في المادة (٢٩) منه على أن الناس لدى القانون سواء، وأنهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولما كان حق التقاضي من الحقوق العامة التي كفل الدستور المساواة فيها بين الناس أجمعين، فإن حرمان طائفة معينة من هذا الحق مع تحقق مناطه وهو قيام المنازعة على حق من حقوق أفرادها ينطوي على إهدار لمبدأ المساواة بينهم وبين غيرهم من الأفراد الذين لم يحرموا من هذا الحق، ولا ريب في أنه إذا حدد الدستور وسيلة معينة هي المطالبة القضائية للوصول إلى الحق تعين التزام هذه الوسيلة، ولا يجوز للسلطة التشريعية أن تهدرها، فالدستور وإذ أنشأ السلطة القضائية وأسند إليها الفصل في الخصومات القضائية وإقامة العدل بين الناس في حيادة وتجرد مستقلة عن باقي السلطات الأخرى، فإنه لا يتأتى للسلطة القضائية أن تباشر هذه الوظيفة التي أسندها إليها الدستور إلا إذا تمكن الأفراد من ممارسة وسيلة المطالبة القضائية، لاسيما وإنها لا تختص بإنزال حكم القانون إلا في منازعات ترفع إليها من أصحاب الشأن، وينبني على ذلك أن كل تقييد لوسيلة المطالبة القضائية هو في حقيقته تقييد لوظيفة السلطة القضائية في مزاولة اختصاصها، بما ينطوي عليه ذلك من تعارض مع مبدأ فصل السلطات المنصوص عليه في المادة (50) من الدستور، وإهدار للحقوق ذاتها التي كفلها الدستور، فضلاً عن أنه ليس من شأن النص في المادة (164) من الدستور على أن يرتب القانون المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، ويبين وظائفها واختصاصاتها، والذي ينصرف إلى تخويل المشرع اختصاصاً في توزيع العمل بین المحاکم وتقاسیمه بحسب نوعه و طبيعته وما يرتبط بذلك من بيان لاختصاصاتها وفقاً لما يقتضيه صالح العمل ودواعي المصلحة العامة، ليس من شأن ذلك أن ينسحب إلى تخويل السلطة التشريعية في عزل القضاء عن ممارسة اختصاصه الأصيل بنظر الخصومات القضائية أو تعطيل وظيفة السلطة القضائية، أو حجب الوسيلة القضائية عن الأفراد التي يمكن من خلالها حماية حقوقهم وحرياتهم. وحيث إن قيام قضاء إداري يختص بنظر الخصومات الإدارية، مزود بولاية إلغاء القرارات الإدارية المخالفة للقانون، وولاية التعويض عنها، هو ركن أساسي في النظام الدستوري، وقد تضمنه نص صريح في المادة (169) من الدستور، محدداً بذلك الوسيلة القضائية للمطالبة القضائية، دعما للضمانة الأصيلة التي يحققها للأفراد إذا تحيفت بهم تلك القرارات…”
ويضيف الحكم في أسبابه: “لما کان نص المادة (۱۷) من القانون المشار إليه قد عصم هذه القرارات من الطعن فيها بالإلغاء، ومنع الأفراد بذلك من طلب الإنصاف، وأسبغ الحماية على تلك القرارات بقطع النظر عن مدى مشروعيتها، وأغلق باب المنازعة القضائية في شأنها بما يتيح لجهة الإدارة التحرر من قيود القانون والتزام أحكامه وضوابطه، وحصن هذه القرارات من رقابة القضاء الإداري عليها، في حين أنها رقابة تنبسط على القرارات الإدارية المطعون فيها – التنظيمية منها والفردية – استظهارا لمدى انضباطها داخل أطر الشرعية، وذلك بوزنها بميزان القانون ومقتضيات المشروعية التي تتمثل فيها المصلحة العامة ويتحقق بها استقرار النظام العام، فإذا تبين للقضاء الإداري استواء القرار صحيحاً أجازه وثبته على أصل صحته، أما إذا تبين له اختلال أحد أركانه أو مجاوزته مقتضيات المشروعية ألغاه وأزال أثاره،…”
ويستطرد الحكم في رده على المبررات القائلة بدستورية النص، أنه: “لا يتصور أن يكون سبيل ذلك هو بإغلاق طريق الطعن القضائي على هذه القرارات، أو أن المشرع قد قصد بذلك حماية أوضاع قد تكون غير مشروعة وتحصينها، إذ لا مصلحة عامة في ذلك، مما يغدو التذرع بهذه الاعتبارات لتقرير حكم هذا النص أمراً غير جائز…”
لينتهي الحكم إلى القول: “وترتيباً على ما تقدم، وإذ كان نص المادة (17) على ما سلف جميعه ينال من مبدأ فصل السلطات، ويخل بحق التقاضي، ويناقض مبدأ المساواة بما يصم هذا النص بمخالفته لأحكام المواد (۲۹) و(5۰) و(166) من الدستور، فمن ثم یتعین القضاء بعدم دستوريته.”
ومما تقدم جميعه، وما يستخلص من الأحكام والمبادئ القضائية المشار إليها، وما هو متحقق من إجماع فقهاء القانون الدستوري الكويتي، نجد أنها قد استقرت على عدم دستورية النصوص المانعة من حق التقاضي والحاجبة للمحكمة عن ممارسة اختصاصها بإعمال رقابة المشروعية على القرارات المخالفة للقانون، الأمر الذي يكون معه نص الفقرة (خامسا) من المادة (1) من المرسوم بالقانون رقم 20 لسنة 1981 بإنشاء دائرة بالمحكمة الكلية لنظر المنازعات الإدارية قد جاء مخالفا للدستور ومتعارضاً مع نصوصه، وهو ما يستوجب ابطاله والإسراع بمعالجة ما ترتب على إعماله من آثار خطيرة، وذلك كفالة للأمن والطمأنينة في المجتمع ونفوس أفراده، وحفاظا على الحقوق والحريات، وحماية للعدالة التي هي حجر الزاوية في استقرار واستمرار أي مجتمع ودولة.

المبحث الخامس: النتائج والآثار التي يرتبها الحكم – محل التعليق – على عموم المواطنين في حال استقر هذا القضاء لدى المحكمة:
إن ما جاء بأسباب الحكم من مبررات وما انتهى إليه من نتيجة يقع على درجة كبيرة من الخطورة يتهدد معها كيان المجتمع وأمن كل فرد من أفراده، ذلك أن الحق بالجنسية هو القاعدة التي تنبني عليها كل الضمانات المقررة للمواطنين والأصل الذي تتفرع عنه كافة حقوقهم، وبانتفاء هذا الأصل وتلك القاعدة ينتفي معها كافة ما بني عليها أو تفرع منها، وهو ما ينسف مبدأ المواطنة نسفا كاملا بعد أن اهدرت الحقوق المرتبطة به والضمانات المكفولة لحمايته.
ولما كان الحكم قد أطلق – عمليا – يد السلطة التنفيذية في إصدار القرارات المتعلقة بسحب واسقاط الجنسية، وجعل هذه القرارات خاضعة فقط لمطلق سلطتها التقديرية، دون معقب أو رقابة عليها من القضاء، وبالتالي فإنه قد جعل كافة الحقوق والحريات التي كفلها الدستور للمواطنين عرضة للهدر في أي وقت وبمجرد صدور قرار بهذا الشأن من السلطة التنفيذية، ليقع المواطن بعد ذلك أسيرا لمزاج تلك السلطة وفريسة لهواها بعد أن تعلق مصيره بقرارها.
والمحكمة بحجبها لنفسها عن الرقابة على تلك القرارات، تكون في واقع الحال قد امتنعت عن القيام بواجبها المكلفة به بحماية الحقوق والحريات العامة والسهر على حراستها من تغول السلطة عليها، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للتعدي عليها وإهدارها، إذ كما قيل: طالما أنه لم يعد هناك نظام قضائي يرد السلطة ويردعها إذا ما انحرفت أو تعسفت فما بقي هو الطغيان.
وهذه النتائج المترتبة على الحكم يفترض أن تدفع بكل المعنيين – بل وبكافة المواطنين – للعمل الجاد والحثيث على استدراك هذا الأمر لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، بما يكفل للمواطن حقه ويحفظ للقضاء دوره وحتى لا تكون قرارات السلطة سيفا مسلطا على مصائر الناس في ظل احتجاب القضاء الذي يفترض أنه الدرع الواقي والحصن الحامي للمواطن وحقوقه. تم بحمد الله،،،

 

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق