تحقيقات

كويتيون “يحتضنون” أطفالاً مجهولي النسب

رغم الصعوبات والعراقيل الاجتماعية والتنظيمية وحتى الدينية، فإنّ ظاهرة التبنّي أو “الاحتضان” بدأت بالانتشار بين الأسر الصغيرة في الكويت، ما يسهم في حلّ مشكلة خطيرة

تلجأ أسر عديدة في الكويت إلى تبنّي الأطفال مجهولي الأبوين، واحتضانهم من دور الرعاية الخاصة عبر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. هي محاولة تسهم بشكل كبير في دمج الأطفال في المجتمع لاحقاً، وعدم التمييز تجاههم.

يجري تنظيم عملية “الاحتضان” في الكويت عن طريق لائحة وُضعت عام 1967، وتتولى مسؤوليتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. عام 1977 صدر مرسوم بالقانون رقم 82 للسنة نفسها في شأن الحضانة العائلية ليحدد شروط الاحتضان واختصاصات لجنة الحضانة العائلية وتنظيم عمليات الإلغاء أو صرف المساعدة المالية وأساليب المتابعة للأطفال المحتضَنين، وذلك من خلال 15 مادة يشتمل عليها.

يقول المحامي والخبير القانوني عمر الروقي، لـ “العربي الجديد”: “قانون الاحتضان الذي أصدرته الكويت عام 1977 يعتبر من أكثر القوانين تطوراً في ما يخص عملية التبني في العالم الإسلامي بأكمله. والمشرّع فضّل تسمية التبني بالاحتضان كي لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية التي تحرّم التبني كونه مدعاة لاختلاط الأنساب”.

يضيف: “يشترط القانون في العائلة المحتضنة أن يكون رب الأسرة كويتياً مسلماً حسن السمعة والسلوك، خالياً من الاضطرابات العقلية والنفسية، بالإضافة إلى قدرته المالية، وإقامته الدائمة داخل الكويت لتسهيل متابعة الطفل المحتضَن. لكنّ الشرط الأخير غالباً ما يجري تجاوزه كون بعض العائلات يدرس أفرادها خارج الكويت. ويُعطى الطفل المحتضن الجنسية الكويتية، سواء احتضنته أسرة كويتية أم بقي في دار الرعاية التابع للحكومة، كما يجري اختيار اسم رباعي له من دون لقب للعائلة، بشرط أن يكون الاسم متناسباً مع البيئة والثقافة الكويتية والإسلامية، وتُصرف مكافأة خاصة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية للعائلات التي لا تستطيع تحمل كلفة الاحتضان بشكل كامل”.

تقول أم بدر، وهي أم محتضنة وعضوة في مجموعة تطوعية تشجع على الاحتضان لـ “العربي الجديد”: “تجربة الاحتضان تمثل بعداً جديداً في حياتي وحياة زوجي وحياة طفلنا المحتضَن. في البداية واجهت رفضاً شديداً ومتعنتاً من قبل أهلي وأهل زوجي، لكن بعد المضيّ في هذا القرار تقبّله المجتمع بصدر رحب، وصار الطفل يلعب مع أقرانه ويندمج في مجتمعه”.

تتابع: “لاحظت أنّ جميع العائلات المحتضنة تعاني في البداية من رفض مجتمعها، ثم من النظرة المستحقرة للأطفال مجهولي الهوية من الآخرين، لكنّ هذه النظرة ليست نابعة من نعرة تمييزية، بل هي من جهل عميق بهؤلاء. والدليل على هذا أنّ تلك النظرة التمييزية تتغير إلى نظرة حبّ وشفقة ورحمة حين يختلطون بهم في أول أيام الاحتضان، ثم تزول النظرة السلبية بالكامل لاحقاً”. يبلغ بدر، الابن المحتضَن، سبعة أعوام، ويذهب إلى المدرسة بشكل طبيعي جداً ويختلط مع أقرانه. تعلق: “أما بالنسبة لإخبارنا له حول والديه المجهولين، فقد جرت الاستعانة بمستشار نفسي وفّرته لنا وزارة الشؤون الاجتماعية لنخبره هذه الحقيقة خطوة بخطوة منذ أولى سنوات وعيه”.

تضيف: “مجهولو الأبوين في الكويت، بفضل نظام الاحتضان الناجح والرعاية الكاملة لهم من قبل الأسر المحتضنة، لطالما مثّلوا الكويت في كثير من المحافل الدولية كفنانين ورياضيين ورجال أعمال ناجحين، وهو أمر رائع وجميل ويدعو إلى الفخر”.

وبحسب إدارة الرعاية الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، فإنّ عدد المحتضَنين من قبل الأسر يصل إلى 600 شخص حالياً. وهو رقم مرشح للارتفاع، خصوصاً مع تنامي هذه الظاهرة بشكل كبير، وانفتاح المجتمع عليها وتأييد العديد من الشخصيات الدينية لها.

في هذا الإطار، يقول الشيخ محمد العتيبي لـ”العربي الجديد”: “حكم التبني في الإسلام محرّم قطعاً، كونه يعدّ من باب نسبة الرجل إلى غير أبيه، ومن باب خلط الأنساب المحرّم في الشريعة. لكنّ الاحتضان المطبق في الكويت هو من الأمور المستحبة التي يثاب فاعلها، كونه يدخل في باب كفالة الأيتام التي حثّ الإسلام عليها، شرط ألاّ ينسب الطفل إلى العائلة التي تحضنه ولا يرثها مطلقاً”.

لكنّ أعضاء في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وهي السلطة الدينية الأولى في الخليج العربي، أفتوا بجواز أن تأخذ المرأة حبوباً مدرّة للحليب (اللبن) ثم ترضع الطفل المحتضَن ليصبح ابناً لها بالرضاعة، وقالوا إنّ هذا يدخل من باب الإحسان إلى اليتيم، لأنّ الطفل مجهول الأبوين هو في حكم اليتيم.

في المقابل، يقول ناشطون حقوقيون إنّ إجراءات الحكومة الكويتية يشوبها تمييز تجاه مجهولي الأبوين، فهي تمنح لهم الجنسية الكويتية وفق المادة الثالثة، وهي مادة خاصة بهم، ما يعني أنّ تعريفهم سيكون واضحاً في المعاملات الحكومية وربما يفتح الباب للتمييز ضدهم. وتقول الناشطة شيخة العلي لـ”العربي الجديد”: “الحكومة تقول إنّها تريد دمجهم في المجتمع الكويتي وعدم تمييزهم عن غيرهم، ثم تضع المادة الثالثة الخاصة بجنسيتهم ما يجعلهم عرضة للتمييز مع ما فيه من خطر عليهم”.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق