أقلامهم

أوهام الإلحاد العلمي

«أوهام الإلحاد العلمي» هو عنوان كتاب جديد صدر عن (مركز دلائل) للبروفسور محمد باسل الطائي أستاذ الفيزياء الكونية بجامعة اليرموك بالأردن. والكتاب يقع في 258 صفحة.

وفي مقدمة الكتاب استهل المؤلف بالقول (إن هذا الكتاب ليس مكتوباً للملحدين من أجل هدايتهم فحسب، بل هو مكتوب للمهتدين المؤمنين من أجل تنويرهم وتنبيههم إلى أهمية العلوم الطبيعية وإلى طريقتها العقلية في الكشف عن أسرار الكون ومعرفة سنن الله في خلقه عن طريق العقل).

القضية الأساسية التي يطرحها هذا الكتاب هي محاولة الإجابة عن السؤال ما إذا كان العلم الطبيعي ونتائج البحث في مسائله تناقض الإيمان بوجود خالق مدبر لهذا العالم. ومن هنا جاء العنوان الفرعي للكتاب. وقد اعتمد المؤلف في كتابه هذا منهجية التحليل العلمي لواقع المعرفة العلمية وتطورها عبر القرون ليثبت من خلال ذلك جملة أمور أساسية:

أولها أن العلوم الاستنباطية تتطور وتتراكم، وثانيها أن هذه العلوم غير ثابتة رغم رصانة منهجيتها المعاصرة فهي تتغير وتتبدل مع الزمن كلما جد كشف جديد؛ ليستنتج بالتالي أن هذه العلوم والمعارف لا تصلح للحكم بالقطع إلا على المسائل التي تقع في حيّزها المعرفي. فهي لا تصلح للحكم على العقائد الغيبية الصرف بالضرورة.

وفي خضم هذه التحليلات لواقع المعرفة العلمية واتصالها بميدان المعرفة في إطارها العام بما فيها المعارف الغيبية يصحح الطائي بعض المفاهيم المختلطة وبالأخص لدى علماء الغرب إذ يكشف عن حقيقة أن مفهموم القانون الطبيعي Law of Nature يختلط بمفهوم القانون الفيزيائي Law of Physics حين يتحدث بعض أولئك العلماء عن واقع المعرفة ودور الخالق في نشأة الكون وتطوره مثلاً. وهو بهذا التحليل يبين أن القانون الطبيعي هو الظاهرة الطبيعية كما هي في واقعها المشهود، أما القانون الفيزيائي فهو ما يعكس فهمنا نحن للظاهرة الطبيعية وكيفية سلوكها ضمن المتغيرات التي تحتويها. فاحتراق القطن بالنار قانون طبيعي إنما تمثيل هذا الاحتراق بكونه ينتج تفكك الجزيئات وأكسدتها وإعادة ارتباطها لتكوين مركبات جديدة هو تعبير عن القانون الفيزيائي.

ويؤكد الطائي أن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى منزلقات خطيرة تقود إلى استنتاجات خاطئة، ويضرب أمثلة على هذا الخلط من كتاب (عقل الله) للفيزيائي الشهير پول ديفيز الذي أدى به، بحسب ما يرى الطائي، إلى تشخيص خاطئ للفعاليات الكونية واستيعاب مغلوط للأسباب والنتائج، ويضرب مثالاً آخر لهذا الخلط ما يصرح به الفيزيائي الكبير ستيفن هوكنج من أن الكون لا يحتاج إلى خالق، إذ يبني قوله هذا على فرضية ضمنية تقول بالفعل الذاتي لقوانين الطبيعة، كما يورد مثالاً ثالثاً من أعمال ريتشارد دوكنز أستاذ البيولوجيا في جامعة أكسفورد الذي ملأ العالم صراخاً دفاعاً عن نظرية داروين في التطور العضوي للكائنات الحية، والتي بناءً عليها ينفي الحاجة إلى إله.

لقد أوضح البروفيسور الطائي أن كثيراً من حجج الإلحاد «العلمية» ونفي الحاجة إلى خالق تقوم على فرضيات لا برهان عليها. فهي أساساً تقوم على القول بـ(الطبيعة) أي وجود فعل ذاتي للقانون الطبيعي وعدم حاجته إلى مشغل، فضلاً عن الخلط بين القانون الطبيعي والقانون الفيزيائي، ويكشف الطائي أن نتيجة عمل القانون الطبيعي بحسب ما كشفته فيزياء الكم (الكوانتم) هي نتيجة احتمالية جوازية وليست حتمية.

ويرى أن سقوط حتمية بيير لابلاس قد هزت أساس القانون الطبيعي وجعلته بحاجة إلى «مُشغّل». بالتالي فإن القانون الطبيعي لا يصف فعلاً بل يصف حدثاً هو جملة علاقات. ونظراً لأن المشغل لا يمكن أن يكون جزءاً من العالم فإنه بالضرورة كينونة خارجه عن العالم لا تتصف حقيقةً بصفاته بل هي التي (ليس كمثلها شيء).

وهكذا يرى الطائي أن الطبيعة لا يمكن أن تفعل بل هي بحاجة إلى فاعل قادر عليم خبير له الخيرة بين الاحتمالات الممكنة وهو الذي يرجحها، لكن الطائي لا يغفل حقيقة رتابة القوانين الطبيعية رغم ذلك ليجعل منها سنّة الخالق في خلقه، فالخالق خلق العالم بالحق أي بقوانين صارمة لكنها ليست حتمية، وهذه السنة التي يتاح للخالق خرقها وقتما يشاء من خلال ما هو متاح من احتمالات صغيرة كانت أم كبيرة.

في خضم هذا الكتاب العلمي الماتع يُعالج المؤلف مسائل مهمة وربما معقدة مثل مشكلة الخلق وطاقة الفراغ والانفجار العظيم وتضخم الكون والتي هي جزء أساسي من التخصص العلمي للمؤلف، إذ يعرض لجانب من إنجازاته العلمية المنشورة في الدوريات العالمية، يقدمها بأسلوب ميسّر للفهم يتناسب مع استيعاب المثقف العام. وفي ثنايا هذه المسائل يقدم البروفسور الطائي ما يراه هو ممثلاً للرؤية الإسلامية لنشأة الكون وتطوره ومصيره. ومن خلال هذه المسائل يبقى خيط تفكير المؤلف وأهدافه من الكتاب مستمراً من أجل الوصول بالقارئ إلى مستوى جديد من التفكير يمتاز بالتفتح والسَّعة في التأمل العقلي المهتدي بنور الإيمان.