كتاب سبر

الثورة الفاضحة والكاشفة

محمد فاروق الامام

هكذا قدر الثورة السورية أن تكون ثورة فاضحة وكاشفة تزيل عن الوجوه المبرقعة لثام الزيف والكذب والخداع والنفاق، وقدرها أن يتساقط الأوغاد والعبيد الواحد تلو الآخر على دربها عراة حفاة كما ولدتهم أمهاتهم في عيون الناس، الذين خدعوا بهم وبمعسول كلامهم لعقود طويلة، فمن كان يظن أن سيد المقاومة، كما كان يقال عنه، حسن نصر اللات الذي خُدعنا به لسنوات وكنا نزين حتى غرف نومنا بصوره وعلم حزبه لاعتقادنا أنه السيد الذي سيعيد للأمة أمجادها، فإذا به لا يزيد على بيدق وضيع بيد فارس توجهه أنّا شاءت وأنّا أرادت، حتى صُدم الجميع وقد تغيرت بوصلة مسيرته من تحرير القدس من الصهاينة إلى تحرير حلب من أحفاد بني أمية.

ومن كان يظن أن المهرج الأفاك دريد لحام ما هو إلا أراجوز تحرك خيوط حركاته وبهلونياته أصابع خفية في بعض غرف الأمن العسكري السوداء خلف مسرح التهريج ليضحك على المشاهدين بمسرحيات ظننا لعقود أنها تروي قصتنا وحكايتنا مع هذا النظام الفاشي وأدواته المجرمة التي استباحت عقولنا وحرماتنا وأسرنا وعوائلنا ومعتقداتنا وتاريخنا وجغرافيتنا.

الثورة السورية الفاضحة لم تتوقف في نزع برقع الزيف والخداع عن وجوه دعاة المقاومة والممانعة والصمود والتصدي، ولا على أراجيز الضحك والتهريج، بل راحت أبعد من ذلك حيث سقط بعض أركان الإعلام والسياسة الذين خُدعنا بهم وبمعسول كلامهم لعقود، عبر ما كانوا يكتبوه من مقالات وما يظهروه في الندوات والحوارات من مواقف، كنا نظنها مواقف ثابتة لا تتغير بتغير الحال، إلى أن قامت الثورة السورية لنجد هؤلاء الأدعياء يتساقطون كالفراش المنفوش على لهب هذه الثورة الفاضحة والكاشفة، فهذا الكاتب المنمق والحرفي البارع عبد الباري عطوان يسقط كما سقط غيره أمام الثورة الفاضحة ويكشف عن حقيقة نفسه الرخيصة التي أبت إلا أن تكون إلى جانب أولياء نعمته القتلة والمتوحشين الذين استباحوا البلاد وقتلوا العباد وخربوا الديار.

عبد الباري عطوان كتب في جريدته “رأي اليوم” مقالا تحت عنوان: “الضربة الأمريكية الصاروخية لن تسقط الأسد”. نشره يوم الجمعة الماضية 7/4/2017 .

وقال فيه: “لم يفاجئنا القصف الأمريكي لمطار الشعيرات العسكري السوري بصواريخ توماهوك، الذي أدى الى تدمير مدرجه وست طائرات ومدنيين (بينهم خمسة أطفال).. لم يفاجئنا أيضا لان المبالغات والتحشيد وأعمال التحريض التي استمرت طوال اليومين السابقين له، وتتمحور حول مجزرة خان شيخون الكيميائية البشعة كانت توحي بأن الضربة قادمة”.

ما تقوله باري عطوان يوحي بأنك تناصر سفاح دمشق وتبرؤه من جريمة الكيماوي الذي استعمله ولأكثر من أربع سنوات في قتل الأطفال والشيوخ والنساء الآمنين في بيوتهم في طول سورية وعرضها، والتي كان آخرها مذبحة “خان شيخون” التي راح فيها أكثر من مئة شهيد ونحو 500 مصاب أكثر من نصفهم من الأطفال، وكل هذه الجرائم موثقة بالدليل القاطع والقرائن الثابتة وبالصوت والصورة الناطقة والصامتة، وبإجماع المنظمات الإنسانية الدولية التابعة منها للأمم المتحدة والإنسانية عربية كانت أم أجنبية، وكان الفيتو الروسي يحول دائماً منع هذه المنظمات من إحالة هذا الملف إلى محاكم جرائم الحرب في لاهاي، ويمنع مجلس الأمن من إصدار بيان إدانة أو تنديد بحق نظام دمشق الساقط منذ أن شهر البندقية في وجه المتظاهرين المطالبين بالحرية والكرامة والعدالة عام 2011. ولم نقرأ لك مقالاً تنصف فيها الشعب السوري من قاتله الذي استباح دمه لأكثر من ست سنوات، ولم نقرأ لك مقالاً عن جرائمه وخاصة مذبحة الكيماوي في خان شيخون الأخيرة، فقط أخذتك الشفقة على مقتل بعض من تواجد في القاعدة الجوية، الذين لم يسعفهم الحظ للهرب كما فعل غيرهم، تلك القاعدة التي منها انطلقت أسلحة الموت الكيميائية لتحصد المئات بين شهداء ومصابين ولم يرف لك جفن أو ترمش لك عين لأجلهم، أو تأخذك الحمية للكتابة عنهم.

وتقول يا باري عطوان: إن “الإدارة الامريكية أصدرت حكمها، وأدانت الحكومة السورية بارتكاب المجزرة الكيميائية في الدقائق الأولى، ولم تنتظر أي تحقيق دولي نزيه وشفاف ومحايد، مما يؤكد النظرية التي تقول ان خطط العدوان كانت معدة قبل هذه المجزرة، وإنها جرى توظيفها كغطاء له”.

أي حكومة سورية هذه يا باري عطوان التي تشير إليها وقد تلوثت أياديها بدماء السوريين لنحو سبع سنوات خلت، قتلت خلالها أكثر من نصف مليون سوري، وسجنت واعتقلت نحو هذا العدد أو يزيد، وهجرت وفرضت النزوح على نحو نصف سكان سورية، التي كم تغنيت أنت والمتاجرين بدمائهم اليوم ببطولات أبنائها وشهامتهم ورجولتهم وكرمهم وعطائهم اللامحدود!!

وتقول في مقالك: “لا نقبل من دولة مثل أمريكا، اعتدت على أربع دول عربية على الاقل وحولتها الى دول فاشلة ممزقة وساحة للحروب الدموية والإرهاب، ان تتحدث عن الإنسانية وحقوق الانسان”.

عبد الباري عطوان لو كنت منصفا لكتبت عما فعله نمرود الشام بسورية وأهلها وما باعه من أصول سورية وأرضها وثرواتها لروسيا وإيران، وما قام به من تغيير ديمغرافي لمدن سورية كاملة لتفهمنا حملتك على أمريكا وبررنا لك موقفك هذا، أما وأنك شننت حملة على أمريكا لأنها وجهت ضربة يتيمة لبعض قواعد البغي الأسدية، التي انطلقت منها حمولة الموت التي حصدت مئات الأطفال والنساء والشيوخ والمدنيين الآمنين، فهذا شيء لن تهضمه معدة السوريين ولن يغفروه لك.

عبد الباري عطوان حسمت موقفك من نمرود الشام بقولك: “هذا العدوان الأمريكي لن يسقط النظام السوري”. ونحن نقر بأن هذه الضربة لن تسقط نمرود الشام، ولكنها تقلم أظافره وأظافر حلفائه، وما نطلبه كثوار من أمريكا وغيرها هو تزويدنا بمضادات أرضية تمكننا من مواجهة سلاح الجو الذي وحده حال دون انتصار الثورة وإسقاط ولي نعمتك نمرود الشام وأركان نظامه الفاشي، والذي جعلنا نقدم مئات الآلاف من الشهداء وملايين النازحين والمهجرين وتدمير مدن كاملة في طول البلاد وعرضها، وسنين طويلة من المحنة القاتمة والأليمة.

وتختم عبد الباري عطوان مقالك بالقول: “هذا ليس وقت التحليل وصف الكلام، وانما وقت الفرز بين من يقف في خندق العدوان، ومن يقف في الخندق المواجه له.. خيارنا واضح لا لبس فيه ولا غموض، نحن مع سورية..”.

نعم أنت يا عبد الباري عطوان مع سورية الأسد أو نخرب البلد.. نعم أنت شبيح مأجور ذهب ولي نعمتك القذافي إلى سقر وبئس المصير، فألقيت نفسك في أحضان نمرود الشام وقد أدمنت أحضان الطغاة، وتقلبت في نعيم ما نهبوه من أفواه شعوبهم وثروات بلدانهم، ونتمنى على الله وهو الحكيم الخبير أن يحشرك مع من تلوذ بهم وتتقلب على موائدهم.

محمد فاروق الإمام

محمد فاروق الإمام

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *