أقلامهم

المثقّف والإعلام والسُّلطة!

– طالما دخل الإعلام، دخلت الشهرة، ودخلت الرغبة في النجاح، وزاغت أعين الجودة يميناً وشمالاً خوفاً على مصيرها، وقلقاً على مرتبتها، وعدم اطمئنان على صدق وعود أصحابها لها، وتوقّعاً منها لهجرهم إيّاها عند أول منحنى!.

– تعرِفُ الجودة أن التنازلات تبدأ صغيرة، صغيرة جداً، مثل طُرْفة لسان أو مثل طَرْفَة عين!، لكنها سرعان ما تتمدّد!، والمثقف الذي جاء مسؤولاً عن أفكار ورؤى، سرعان ما يحوّله الإعلام إلى مسؤول عن جماهير ومتابعين أيضاً!،.

وبعد فترة يتم إقصاء حتى هذه الـ “أيضاً”!، ليجد المثقف نفسه وقد أصبح مسؤولاً فقط عن جماهيريّته وشهرته، عن شكله لا عن معناه!،..

– في لحظة ما، يشعر المثقف بوخزة ضمير، بعقدة ذَنْب، فقد صار نجماً على حساب فكرته، صارت النجومية للرأس وليس لما فيه!،.

ويصعب عليه التراجع، تصعب مقاوَمة مكاسب النجوميّة والشهرة والإعلام؛ ليس فقط لأنها مُسَلِّيَة وذات منافع حاضرة، لكن لأنها تعِدُ بمُسلِّيات ومنافع شخصيّة آتية كثيرة أيضاً وعن قريب!،..

– يحدث كثيراً أن السُّلطة في المجتمعات الطامحة في التقدّم، الراغبة حقّاً في التقدّم، لكنها لا تمتلك إجراءات حصينة ولا دراسات عميقة ولا تجارب موثوقة، تتحرّك في ما يشبه ظاهرة اللجوء إلى المثقف الإعلامي، تستشيره أو تُوَزِّره، أو تُقرِّبه منها بأشكال مختلفة، طمعاً في الاستفادة من خبراته ووعيه وثقافته، لكن أيضاً طمعاً في استثمار شهرته وجماهيريّته!،..

الأمر يعمّ الجميع تقريباً ولا يخص دولة بعينها، غير أن مِصْر، ومنذ الثورة على نظام مبارك، تكاد تكون أوضح النماذج لهذه الحكاية: أحمد المسلماني وحلمي النمنم وخالد يوسف وغيرهم أمثلة، رغم احترامي الكبير لكل منهم، المسلماني خاصة!،..

– الاستقطاب السياسي للمثقف الإعلامي، لا يؤتي ثماره المرجوّة عادةً!،.

– والمثقف الذي تنازل عن أفكاره ورؤاه وطموحات أدبه لصالح جماهيريته، يسهل عليه مع أول استقطاب سياسي له، التنازل عن هذه الجماهيريّة لصالح وضعه السياسي المرموق الجديد، هنا تنفصل الجماهيريّة عن الشهرة، يتنازل عن الأولى مع ضمان الاحتفاظ بالثانية!،..

– يبدأ المثقف مسؤولاً عن معنى، ومع النجاح والشهرة يتنازل عن هذه المسؤولية، ويقدّم نفسه على أنه مسؤول عن الناس، ومع أول استقطاب سياسي يتنازل عن هذه المسؤولية، لا يعود مسؤولاً عن الناس بل عليهم!،..

– ما إن يطمع المثقف الحقيقي بالجماهيرية حتى لا يعود حقيقيّاً!، فقد دخل في دَوّامة التّسوية!،.

وما إن يستميت للدفاع عنها حتى لا يعود مثقّفاً، فقد دخل في نَفَق التَّنصّل!.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *