كتاب سبر

كفى ألماً..

أشياء كثيرة خرجت من الأنفس بخروج مسلم البراك من السجن ويبدو ان المراجعات التي أعلن البراك انه قام بها في السجن كانت عاملاً مشتركا مع الكثيرين، الكل قام بمراجعاته الخاصة وأبقاها مسجونة في الصدر لحين خروج البراك من المعتقل.

أشياء كثيرة ظلت عالقة منذ ان توارى صاحب البدلة الداكنة بحسب تعبير حسن العيسى داخل معتقله الذي مثلت لحظة خروجه لحظة نادرة من الفرح العام مثلما مثلت ايضا لحظة اذاعته لخطاب الاثنين لحظة نادرة من التوافق الشعبي العريض.

يوم الجمعة خرج البراك وفصلتنا 72 ساعة عن خطاب الاثنين الذي كثرت التكهنات حوله وحول نوع المراجعات التي اجراها البراك وكثر الحديث عن نتائجها وعن جدولها الزمني وعن خطواتها التنفيذية وكان السؤال الأهم عن علاقتها بالماضي وتصوراتها عن المستقبل وعن تقييمها للشركاء ومدى انفتاحها على الخصماء وعن أشياء كثيرة ظلت تدور حول مالذي سيقوله صاحب البدلة الداكنة؟

جاء اللقاء المرتقب وسط حضور كثيف في موقع الحفل ومتابعة غير مسبوقة في مواقع التواصل وسادت حالة من الصمت من الجميع لحظة صعود صاحب البدلة الداكنة لمنصة الحديث.

بنى البراك خطابه على ثلاث حقائق أولها ان البلد بأوضاعه الحالية يسير نحو الهاوية وثانياً ان الجميع له أخطاءه التي ساهمت في هذا التردي لكنه وصف اخطاء السلطة بالمدمرة وثالثاً تأكيد ان الحل بيد السلطة ولذلك وجه لها الدعوة لمراجعة الذات والتخلي عن حلفاءها الفاسدين والتراجع عن سياساتها السابقة وأن طريق المصالحة مفتوح وأي خطوة للسلطة في هذا الاتجاه سيكون مقابلها خطوتين للتيار الاصلاحي.

جدد البراك في خطابه ادانته لفردية وقمعية بعض قرارات السلطة لكنه جدد لها الفرصة بالمقابل للتراجع عن ذلك وأكد على ان هذا سيكون محل تقدير من الجميع وأنها ان تأتي متاخرة خير من ان لا تأتي أبداً وان هذه ليست دعوة للحوار بقدر ماهي دعوة للتراجع ثم التعاون.

أكد البراك وربما للمرة الاولى صراحةً ان هناك اخطاء وقعت بالمقابل من الصف المعارض بل ومنه شخصياً وقال بالحرف “اخطانا في اُسلوب العمل السياسي ” وهنا يشير البراك لمرحلة عمل سياسي مقبلة سلمية مثلما كانت دوماً لكن مطلوب ان تكون جماعية اكثر وان تبتعد عن الخطاب الانتخابي.

اقل من 36 دقيقة استغرقها خطاب الاثنين وكأن البراك أراد منذ البداية ان يؤكد استشهاده الدائم “ما قل دل وزبدة الهرج نيشان “.

كان من الواضح لكل متابع منصف انه لم يسبق ان حاز خطاب سياسي على مثل هذا القدر من الاتفاق والتأييد وكأن مسلم البراك التقط كلمات خطابه من افواه المتابعين اللذين سرعان ما انطلقوا في ساحات التواصل يؤكدون على كونه خطاب رجل دولة وهو المصطلح المعني بكون المتحدث نجح بوضع نفسه مسؤولا عن قيادة وتعاون جميع الأطراف وصولاً لهدف هو أسمى من تسجيل نقاط لطرف على حساب طرف آخر ، كان سهلاً على البراك ان يلقي خطابه بشخصية زعيم المعارضة حيث لا تتعدى مهمته حدود عرض وجهة نظر المعارضة واقناع الشارع بها لكنه اختار المهمة الاصعب وهي الحديث بشخصية رجل الدولة المعني بتحقيق الهدف وقيادة تعاون الجميع من اجل ذلك وحقيقة ذُهلت شخصياً من اتساع الثقافة الموسوعية للشباب الكويتي حين أطلقوا خطاب رجل الدولة كوصف لخطاب البراك الأخير وكم كان ذلك دقيقاً ويبدو ان البراك نفسه راهن على هذا الوعي ويبدو ايضا انه كسب الرهان.

مرة اخرى يعيد التاريخ نفسه ونعيش نفس اجواء انسداد الأفق السياسي بحيث يكون “الخلل في مكان كلنا نتردد في الحديث عنه” ومرة اخرى يكون البراك في الموعد ويعلنها بلا تردد انه نعم اخطأنا ونعم السلطة اخطأت .. ونعم هذا هو الطريق.

هاردلك لمن توقع خطاب انتقام من ايام السجن الطويلة وهاردلك أكبر لمن توقع صكوك براءة للسلطة فالبراك في خطابه أرشدها فقط لطريق الصواب والتعاون وكان الخطاب يستحق فعلا عنوان “كفى الماً” بالكويت ، ويبقى لنا ان نردد في النهاية ما اتفق عليه الجميع بعد الخطاب من ان الكرة الان في ملعب السلطة .

عبدالحكيم العريفي

عبدالحكيم العريفي

4 تعليقات

أضغط هنا لإضافة تعليق