أقلامهم

التنمر الإلكتروني

لطالما كان التنمر واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه المراهقين في المدارس، ولكنها من الظواهر التي لم تتم محاربتها بشكل حقيقي، لاسيما في مجتمعاتنا العربية، والتنمر ظاهرة عالمية موجودة في الشرق والغرب، وهي تعتمد على شخص يظن أنه الأروع في المدرسة، فيقوم بتعنيف من يجده ضعيفاً أو مختلفاً أو حتى انطوائياً بالعنف اللفظي، والذي يمتد إلى الجسدي في أحيان كثيرة.

مع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد التنمر ظاهرة في المدارس فقط لدى المراهقين، بل تطور ليصبح ظاهرة منتشرة بين جميع الأعمار والأجناس، كل ما يحتاجون إليه “أكاونت” في أحد هذه المواقع ليقوموا باضطهاد أشخاص، مشهورين أو مقربين أو حتى غرباء من خلال أسماء وهمية.

أول من صاغ وعرّف مصطلح التنمر الإلكتروني هو المعلم الكندي والناشط ضد التنمر «بل بيلسي»، حيث عرفه بأنه استخدام الإنترنت والتقنيات المتعلقة به من أجل إيذاء الناس أو أشخاص آخرين بطريقة متعمدة ومتكررة وعدائية، وقد أصبحت تلك الظاهرة أكثر شيوعاً في مجتمعنا، لاسيما بين الأطفال والشباب.

هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة بحثية حقيقية، إذ إن انتشار هذا الكم المخيف من الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي هو ناقوس خطر حقيقي يؤكد أن النفوس البشرية في العالم تعاني اضطرابات حقيقية، وتجد في إزعاج وجرح الغير دون سابق معرفة متعة.

سمحت “الأكاونتات” المزيفة بكشف النقاب عن ظاهرة مخيفة وهي نبذ الآخر والكراهية المطلقة إن اختلف الآخر عنك، ويرجع ذلك دون أدنى شك إلى التربية المتطرفة لدى الكثير من الأسر.

والتطرف لا يعني الغلو في التدين فحسب، بل قد يكون الغلو في كل شيء كالعنصرية مثلاً، لأن تلك الأحاديث الخاصة بين الأسر وأبنائها تجد فيها نبذاً لفئة دون أخرى، أو استهزاء بمذهب دون آخر، أو عدم احترام دين دون آخر، أو عرق دون آخر، وهكذا.

ينشأ الطفل في بيئة تلقنه أن الآخر ليس سوى شخص حقير لأنه ليس مثلك، فتكبر هذه الفكرة معه، ويتشربها، ثم ينشر كراهيته لهذا الآخر علانية في وسائل التواصل الاجتماعي، تلك التي كشفت أن الأسر تحتاج إلى غربلة حواراتها مع أبنائها الذين من الممكن أن يكونوا أدوات عنف مدججة في أي مكان.

لم يعد مكان التنمر هو المدرسة فقط، بل بات في كل مكان، كل ما يتطلبه فضاء واسع حتى يأخذ الشخص راحته في الكراهية والعنصرية.

أقدم عشرات بل مئات المراهقين في الولايات المتحدة على الانتحار بسبب تعرضهم للتنمر الإلكتروني، فضلاً عن إصابة كثيرين في هذه السن بالاكتئاب بسبب تعرضهم للتنمر، سواء كان إلكترونياً أو في المدرسة، لذا يجب عدم الاستخفاف بهذه المشكلة بتاتاً.

قفلة:

حسب الدراسات البحثية فإن حياة المتنمرين الخاصة لا تمت بصلة إلى شخصياتهم الوعظية في الفضاء الإلكتروني، وليس جميع المتنمرين محصورين فيمن يقومون بالشتم، بل الوعظ المبالغ فيه يعد أيضاً نوعاً من أنواع التنمر، وغالباً ما يعيش المتنمر حياة مزدوجة يبث الكراهية وهو يفتقر إلى الحب، يقدم النصح والمواعظ وهو غارق في الرذيلة، وتلك من الظواهر التي تحتاج إلى تأهيل نفسي، لأنها تمثل خللاً حقيقياً يحتاج إلى تقويم وإعادة تأهيل لما لها من أضرار جسيمة على الغير.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *