سبر القوافي

البحر المُطَّرِد

البحر المُطَّرِد هو تاسع البحور في الدائرة الرابعة، وثالث البحور المهملة فيها، يسمّيه بعض العروضيين المُشاكل، ووزنه: فاع لاتن مفاعيلن مفاعيلن (مرتين)، وليس عليه شعر فصيح غير ما يمّثلون به:
ما على مستهامٍ رِيع بالصدِّ ** فاشتكى ثم أبكاني من الوجدِ
هذا البحر جاء في الشعر النبطي، وهذه من عجائب الخليل بن أحمد، إذ كيف أثبته في دوائره العروضية وهو لم يجد عليه شعرا كما تذكر كتب العروض، ثم كيف عرفه شعراءُ النبط وهم لم يطّلعوا عليه في دوائر الخليل! وظهور المهمل في الشعر النبطي بعد مئات السنين من إثبات الخليل له دليل على إحكام الخليل لدوائره العروضية، عندما استخدم تقليب التفعيلات بطريقة ذكية استقصى بها جميع الأوزان ما اُستعمل منها ومالم يُستعمل، وعفا الله عن بعض النقّاد الذين اتهموا دوائره بالقصور، حتى قال بعضهم: “إن بعض الدوائر تضمّنت بحورا مهملة غير معروفة ولا مألوفة لم ينظم عليها القدامى قبل الخليل، ولم يضعها الخليل لينظم عليها المحدثون بعده، وإنما فرضها نظام الدائرة فرضا”. [شرح تحفة الخليل ص41]، فقد اُستعمل في الشعر الشعبي ثلاثة أبحر مهملة في الشعر الفصيح؛ وهي: البحر الممتد، والبحر المستطيل، وهذان معروفان عند بعض نقّاد الشعر النبطي، وثالثهما هذا البحر المُطّرِد الذي لم يهتدِ أحدٌ إلى تخريجه، وإلا فقد جاء تاما ومجزوءا، ومنه تاما قول محمد الأحمد السديري:
طارشي يم نجدٍ هي وأهاليها ** رد مني سلامٍ عاطرٍ حالي
وقول العوني:
راكبٍ فوق حرٍ يذعره ظلّه ** مثل طيرٍ كفخ من كف قضّابه
وقول غنيم العارضي، وهي مغنّاة:
يوم عدى الرقيبة راس مشذوبة ** قال زلوا وجتك الخيل رزفالي
وكثيرا ما يأتي في المحاورة والقصائد الحربية والعرضة، ومنه في المحاورة قول عبدالله المسعودي:
هاضني ليلة الجمعة سنة تسعين ** غير تسعة على تاريخنا الهجري
ومثال مجزوء المطرد النبطي قول عبدالرحمن البواردي:
دارنا فيك ما خنّا ** خان بك قاطع الساقةْ
وقول زامل السليم:
يا الله اليوم يا كافي ** صاحب المكر ترمي به
ومن القصائد التي تُغنّى عليه:
يا الله اليوم يا روّاف ** يا أبا الأفراج عاوني
والسامريّة:
يا حمامة عليك الطوق ** ما تمرين تسيورةْ
هذه القصائد -وما كان مثلها- على البحر المطرد بلا نقص أو زيادة، غير ما يظهر من تسبيغ على بعض أعاريضه، والتسبيغ والتذييل شائعان في أوزان النبطي وكأن هذا الساكن الزائد بديل لإشباع الحركات في الشعر الفصيح، ولا يجوز أن نعتسف لهذه الأشعار وزنا آخر فنزيد عليه أو ننقص حتى يوافقها، وهذا باب في علم العروض يسمى (المعاياة)، ومن قواعده أن القصيدة تُنسب للوزن الذي يقبلها بلا نقص أو زيادة، فإن لم يوجد فتُنسب إلى الأقل تغييرا، قال صاحب [شرح عروض ابن الحاجب، ص160]: “فإن كان حَمْل الوزن على وجه السلامة وعلى وجه بالتغيير، فالأولى حمله على السلامة لأصالتها”.
ولا يصطدم الشعر النبطي مع الوتد المفروق في تفعيلة المُطّرد الأولى (فاع لاتن)، لأن ثانيها أوسط وتد مفروق، وهذا لا يجوز سقوطه في الفصيح، وهو في النبطي لا يسقط ولا يقبل النبطي سقوطه حتى لا تتوالى ثلاث متحركات.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق