آراؤهم

“البرمجة في الصغر كالنقش في الحجر”

جميعنا نحفظ مقولة ” العلم في الصغر كالنقش في الحجر”، ونردّدها بإستمرار للدلالة على اهمية العلم لأطفالنا حتى يدوم طويلا لهم، ويفيدهم في مستقبلهم ، فالتعلّم منذ الصغر ، له أثره كما النقش في الحجر يظل راسخا الى أمد طويل.

ولكن اليوم ، وفي ظل التطور الكبير الحاصل في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات وصناعة الانترنت والهواتف الذكية، وإنتشار خدامتها بشل رهيب ، وإنغماس أطفالنا وصغارنا في العالم الرقمي، وإلتصاقهم بشاشات الهواتف الذكية والاجهزة اللوحية لساعات طويلة، ادعو اليوم لإعتماد مقولة موازية ومساوية لمقولتنا العربية التاريخية السابقة، وتنسجم مع هذا العصر ” الرقمي”، ….أدعو لاعتماد مقولة ” البرمجة في الصغر كالنقش في الحجر”.
ثمة تجارب محلية أثبتت قدرة الأطفال وتقبلهم واقبالهم بشغف على تعلّم البرمجة، التي يمكن تعريفها بانها عبارة عن منطق تفكير يساعد الشخص على التعامل مع الحاسوب أو الهاتف الذكي، وبانها صناعة تقوم على عملية كتابة التعليمات والأوامر لجهاز الحاسوب أو أي جهاز آخر على ” شكل كودات”، لتوجيهه وإعلامه بكيفية التعامل مع البيانات.
وبحسب الخبراء في هذا المجال بان الأطفال قادرين على تعلم البرمجة وأسسها وكتابة “الكودات” اذا ما بدانا معهم من الصفر….
واحدة من التجارب التي أتابعها منذ اكثر من عام ، وهي أكاديمية ” هللو وورلد كيدز” الشركة المتخصصة في هذا المضمار ، جرى تعليم البرمجة لاكثر من 550 طفلا أردنيا، من خلال الدورات التي تعقدها بانتظام، كما اثبتت الاكاديمية بانه من بين 10 أطفال يجري تدريبهم على البرمجة، فان 3 منهم يتميزون بكونهم أطفالا موهوبين قادرين على إنتاج تطبيقات جديدة، وهو امر بالغ الأهمية من واقع تجربة محلية فعلية.
ذلك يؤشر الى أهمية تعميم تجربة تدريس البرمجة على جميع مدارس الكويت ، ويؤّشر كذلك الى مقدرة أطفالنا على الابتكار والابداع في المستقبل، عسى أن يخرج من بينهم من يبتكر شبكة اجتماعية عربية تنافس ” فيسبوك” ، او ” واتساب عربي شرقي، او حتى ” جوجل” بمحتوى وشكل يحاكي شرقيتنا وأصالة تاريخنا.
لا تزال مناهج الحاسوب في مدارسنا، مناهج تقليدية لا تخرج عن دائرة تعليم أساسيات إستخدام الحاسوب وكيفية تشغيله، بعيدا عما حدث من تطور رهيب في عالم الأجهزة التقنية خلال اخر عشر سنوات ظهر خلالها الهواتف الذكية والاجهزة اللوحية بما حملته لنا من عالم مليء بالتطبيقات والبرامج التي تقوم جميعها على ” البرمجة”.
ببساطة مناهج الحاسوب الحالية في مدارسنا – وبحسب متابعين لهذا الشان – هي مناهج ” غير مواكبة” لما حصل من تقدّم في علم الحاسوب وبرمجياته، وهو لا يتطرق ابدا للاجهزة الذكية كالهواتف الذكية والاجهزة اللوحية، كما انها لا تعلمّ الا الاستهلاك والاستخدام، بعكس ” البرمجة” التي تعلّم الإنتاج.
على وزارة التربية والتعليم اليوم تبني مناهج لـ ” البرمجة”، وهذا يحتاج الى ارادة وتصميم وايمان بما تفعله صناعة البرمجيات اليوم في الاقتصاد العالمي،وذلك يحتاج الى قرار ” جريء” لتحويل واستبدال المناهج القديمة باخرى جديدة تعتمد البرمجة أساسا، وتعلّم وتدرّب على الإنتاج بدلاً من تعليم كيفيات الإستخدام فقط.
إنّ تعليم ” البرمجة” للطلاب في مدارسنا ينطوي على أهمية كبيرة في مجالات عدة ، أولها ردم الفجوة الرقمية في ” انتاج” التكنولوجيا، بيننا وبين الغرب الذي يسبقنا اليوم بعشرات السنوات في مضمار تقنيات الانترنت والاجهزة الذكية وتطبيقاتها المتنوعة التي تقوم على ” كودات” تعلمها المبرمجون في الغرب لنستهلك ما ينتجون.
وينطوي تعليم صغارنا البرمجة على أهمية قصوى لتحويل مسار اجيالنا وشبابنا من ” الاستهلاك بهوس” والى درجة تصل حد “الإدمان” للتكنولوجيا، الى ” الإنتاج” لتلك التقنيات وتطبيقاتها، فكل ما نستخدمه اليوم من هذه البرامج والتطبيقات قد بني ضمن صناعةالبرمجة .
علينا إعتماد ” البرمجة” منهاجا ومادة أساسية في مدارسنا كما هي ” الرياضيات” و ” اللغة الانجليزية”، فالبرمجة اليوم تنسجم وأسس وعلوم الحساب والمنطق، كما أنّها تعدّ اليوم لغة عالمية لا تنحصر بشعب من الشعوب.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق