أقلامهم

نظارة

في النرويج وحسب خبر ورد عن طريق مؤسسة آمنستي الإنسانية تظاهر أكثر من ألف طالب احتجاجاً على تهديد حكومي بترحيل زميلة أفغانية لهم إلى أفغانستان، قارن هذا التصرف آخذاً بعين الاعتبار المعاناة الأوروبية الحالية مع كميات النازحين إلى منطقتهم من سورية وغيرها، مع رد فعلنا بعد الإعلان عن ترحيل عدد من المقيمين بالكويت على إثر مشاجرة في سوق السمك، هي شعوب وشعوب.

ولكن حتى يكون الكلام عقلانيا ومنطقيا، لعلنا نقيم القرارات الحكومية الأخيرة دون ذكر الحقوق الإنسانية والضمائر والأخلاق، فهذه الحجج ولسبب ما ما عاد لها قيمة في مجتمعنا هذه الأيام، وقبل أن نأتي على القرارات التي تخص الوافدين، لنختبر مثلاً قرار إقرار البصمة الذي رغم أنه يهدف إلى تصويب خطأ فإنه أولاً كشف عن كوارث مخبأة، وثانياً خلق مشكلة أكبر. فمنذ إقرار البصمة اكتظت الشوارع بشكل غير مسبوق، مما يدلل على أن أكثر من نصف هؤلاء الموظفين ما كانوا يذهبون لمقار وظائفهم ولا يؤدون مهامهم، ولربما لأسباب جيدة أولها وأهمها عدم وجود عمل لهم في مقار وظائفهم، كرسي وجريدة وشاي وملل طوال اليوم. إذاً المشكلة في أصلها أخلاقية وإدارية كذلك، فامتناع عدد كبير من مواطني الدولة عن الذهاب لعملهم أو ترتيبهم لطرق ملتوية لتفادي دواماتهم هي دلالة فساد ليس الموظف بمفرده ولكن فساد النظام الإداري بمجمله الذي يوظف دون رقابة وتقييم حقيقيين، والذي يمرر ويشجع الواسطة، والذي يكدس الموظفين دون احتياج لخدماتهم مما يسهل تفاديهم الانتظام في عملهم. إلا أن إقرار البصمة خلق مشكلة أكبر، فإقرارها بهذه الصورة ودون ترتيب واضح للفئات التي ينطبق القرار عليها ودون تغيير مواعيد الدوامات لتفادي الاكتظاظ ودون الإتيان بحلول خلاقة كالعمل من المنزل أو تقصير ساعات العمل مقابل رفع الإنتاجية وغيرها، قد خلق مشكلة أعمق من حيث الزحام وارتفاع نسب التلوث الناجمة عن السيارات ونسب النقمة الناتجة عن البشر الذين يقودونها، والذين بلا أدنى شك سيجدون مخارج جديدة لتفادي الدوامات وللتلاعب على إدارات لا تحتاجهم أصلاً. فهل هذا هو الحل؟

ثم نأتي للقرارات المتلاحقة الأخيرة بخصوص المقيمين، والتي في تلاحقها بحد ذاتها عبرة ومغزى كارثيان. فلو أن هذه القرارات تفرقت وتباعدت، لو أنها اتخذت شكلاً غير ضغائني، لو أنها ما كانت مصحوبة بصراخ بعض النواب، لكانت تزحلقت بين الفساد الكثير بصورة أخفت وأكثر ستراً. إلا أن هذه القرارات أتت رنانة متتابعة، وكأن الحكومة اكتشفت فجأة المشاكل واخترعت فجأة الحلول فجاءت متلاحقة كما ضربات الفأس على شجرة بقيت واقفة وارفة لزمن طويل. ولكن لنتفكر في قيمة هذه القرارات مدنياً، أي في فائدتها علينا كشعب كويتي من منطلق أنانية بحتة، “فهذه ديرتنا والأجانب أكلونا والمواطن صار غريب في بلده”، كما يردد الكويتيون هذه الأيام بشكل متواتر ميكانيكي وكأن لوثة ضربت البلد أو مرضاً نفسياً غريباً أسر بشرها فحولهم، في مشهد أقرب لما يعرض في أفلام الرعب، إلى كارهين ناقمين بشكل جمعي مرعب. لنتأمل في الصورة: إذا مرض العامل الفقير واحتاج لرعاية طبية باهظة الثمن لا يستطيع هو سداد قيمتها، ماذا سيكون الحل؟ بالتأكيد إما أن يدفع الكفيل قيمة الرعاية الصحية (وليس هناك حالياً ما يلزم الكفيل أو المؤسسات المستقدمة للعمالة بذلك) أو أن يعيش هذا العامل بمرضه. كيف وجد الناس هذا حلاً جيداً؟ يمتنع المقيمون عن زيارة الأطباء بسبب التكاليف الجديدة، يتسع انتشار الأمراض، تقل إنتاجيتهم، تزداد مخاطر انتقال العدوى، تزداد الضغينة بسبب المعاناة والشعور بالتمييز، كيف بدا هذا الحل لصاحب أي منطق حلاً جيداً يخدم الكويتيين؟ كيف ترفع عقيرتك بكلام الكراهية والتمييز ضد الأغلبية التي تخدمك في بلدك، لتتبع عقيرتك عقيرة القرارات الحكومية التمييزية غير الواعية بالعواقب، ثم تتوقع إنتاجية جيدة وهدوءا نفسيا وأمنا مستتبا؟ كيف يبدو لأي إنسان ذي وعي أن ما يتردد على ساحات التواصل الاجتماعي من كلام ناقم حاقد عازل ساخر وما يتردد من صدى هذا كله على ألسنة النواب وفي القرارات الحكومية كله شيء جيد طيب للشعب الكويتي؟ كيف ترون الصورة؟ بأي نظارة تنظرون؟

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *