أقلامهم

رسالة إلى راشد الفضالة

أخي العزيز راشد الفضالة،،،

قرأت قبل قليل رسالتك التي بعثت بها من زنزانتك في السجن المركزي والتي أعلنت فيها إضرابك عن الطعام لحين استردادك حريتك، ولا أخفيك بأن رسالتك أثرت بي كثيرا.

لقد تشرفت من قبل بالدفاع عنك وعن أصدقاء لي ولك في قضايا سياسية. كنت في السنوات السابقة أشعر بالفخر والحماس وأنا أقرأ أوراق القضايا وأجهز دفاعي. كان ذلك كله مصدر حيوية ونشاط، فما أجمل مهنة المحاماة حين تدافع عن شباب يحمل هموم وطنه وعلى استعداد للتضحية بحريته دفاعا عن كرامته وكرامة الشعب.

كنت دائما أرى فيك ذلك الشاب النقي الذي لا يسعى لشهرة ولا يطلب زعامة، كنت أراك شابا صادقا في سعيه شجاعا وسباقا بلا تردد، وكان في هذا كفاية لي للدفاع عنك بكل ما أملك من قدرة وطاقة.

أما اليوم، أخي راشد، وفي الوقت الذي تمضي فيه أيامك في السجن، فإنني أشعر بضيق شديد. بل حتى أكون صريحا، أقول لك بأنني أشعر بالخزي لأنني غير قادر على الدفاع عنك كما يجب. أشعر بالعجز وقلة الحيلة. لم يعد القانون سندا لي في مرافعاتي، ولا هو ضامن لحقوقك، لم تعد العدالة ملاذنا أنت وأنا.

حين أرى ثوب المحاماة معلقا في مكتبي أشعر باشمئزاز، فهذا الثوب يذكرني بعجزي… حين أمر قرب مبنى قصر العدل أشعر بضيق وأشيح نظري عنه،

حين أقرأ نصوص القانون أراها مجرد حروف متناثرة لا معنى لها،

حين أقرأ أحكام المحاكم أشعر أنها مجرد نماذج مكتوبة سلفا لا تعني شيئا.

خلال زياراتي لكم في السجن حاولت غير مرة دفعكم باتجاه إعفائي من مهمة تمثيلكم أمام المحكمة… أقول تمثيلكم وليس الدفاع عنكم لأنني لا أملك وسيلة الدفاع. فحين يفقد المحامي الشعور بأهمية الدور الذي يقوم به أمام المحكمة تصبح مهنة المحاماة ممارسة لا معنى لها، بل على العكس تصبح ممارسة تجميلية تضفي مشروعية على وضع بائس غير مشروع. لذلك أخي راشد أنا ألتمس منك العذر، أنت محبوس بموجب حكم باطل شهدت نيابة التمييز على بطلانه، أنت محبوس بسبب حبك لوطنك لا بسبب جريمة ارتكبتها. لم تختلس مالا عاما، ولم تنتهك حق أحد، أنت فقط عبرت عن رفضك لسرقة مستقبل بلادك وأولادك. جريمتك الحقيقية هي حلم يسكن فيك، حلم بوطن يسود فيه القانون وتصان فيه الحقوق.. حلم مشروع تشعر معه بإنسانيتك. أنت لا تريد أن تكون مجرد تابع… ومع ذلك أنت في السجن وأنا لا أستطيع الدفاع عنك.

أخي راشد،،، إن وضعي هذا متعب جدا لي. ولتجربتي السابقة كسجين سياسي أقول لك أنك أنت السجين في وضع أفضل بكثير مني أنا الذي ينام في بيته يخرج متى شاء ويذهب أين شاء. السجن أخي راشد هو الإحساس بالعجز، وأنا أشعر بالعجز.

تشاء الصدف أن ينتابني هذا الشعور الكريه بالعجز وأنا أكمل عامي الـ 40 منذ بدأت العمل في المحاماة. لم أكن أتصور إطلاقا أن يأتي هذا اليوم.

ختاما أخي راشد، سمعت أن جلسة محاكمتكم سوف تعقد في “مسرح قصر العدل”، هكذا اكتمل الشكل، لأن “الأقفاص” لا تكفيكم، وهذا سبب إضافي يجعلني أشعر بالغثيان… “أقفاص”! ومحاكمة على خشبة مسرح في قصر مخصص للعدل! إن هذا كثير علي.. كثير جدا.

مرة ثانية التمس منك أخي راشد العذر وأرجو أن تغفر لي ضعفي وعجزي. سوف أحضر جلسة محاكمتكم حتما، لكنني لن أتمكن من الدفاع عنكم. فقد سقطت كلمة الدفاع من قاموس العدالة!

أعانك الله وسدد خطاك،

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *