أقلامهم

هكذا أقنعتني رائدة!

لمن كل هذه الكتب التي تخرج من المطابع يومياً لتملأ أجنحة المعارض وأرفف المكتبات؟ ما الذي يجعل من دور النشر تتكاثر بهذا الشكل غير المسبوق على الصعيد العربي، الخليجي تحديداً، وكل منها يبحث عما ينشر بشره كبير مع كل دورة جديدة لمعارض الكتب السنوية؟

لا أتحدث عن مستوى ولا عن موضوع، ولكنني بصدد التساؤل عنها كمادة للقراءة وحسب، فليس للكتاب، أي كتاب، قيمة حقيقية إن لم يقرأه أحد حتى وإن تعددت طبعاته وانتشر عنوانه وحظي مؤلفه بما يتمناه من شهرة بين الناس.. الناس وليس القراء!

أعرف أن حركة القراءة قد ازدهرت بالفعل في السنوات الأخيرة بفعل التسويق السريع الذي تكفلت به حلول التكنولوجيا الحديثة، لكنا مجرد حركة كما يبدو لي من خلال ما تسنى لي من رصد عفوي لحركة الكتاب ما بين الكاتب والقارئ.

كثير من الكتب تنفد طبعاتها المتلاحقة لكن بلا صدى يتجاوز الصور الأنيقة ووسوم وسائل التواصل الاجتماعي إلا نادراً. فهل يقرأ القراء ما يشترونه ويصورنه من كتب؟

هل يمارسون القراءة بوصفها فعلًا تشاركياً وقيمياً، ومساهمة إضافية في صناعة الكتاب؟!

لي صديقة تفعل ذلك وأكثر حتى أصبحت أقول عنها إنها واحدة من آخر القراء الحقيقيين، في محيط ما أعرف عن قرب على الأقل!

يحلو لي أن أعرف صديقتي البحرينية رائدة شريف على أصدقائي وزملائي ومعارفي بصفة؛ «القارئة رائدة شريف»، ذلك أنني أعتبر رائدة قارئة نادرة في تعاملها مع ما تقرأ من كتب. وفي زمن أصبح فيه الكتاب أكثر من القراء تقريباً، كان من الضروري أن نلتفت لتجارب القراء المميزين ونحتفي بها بصفتها تجارب مخلصة لذاتها وللكتب ومؤلفيها، كتجربة رائدة التي تمتلك أنفاً يشم رائحة الكتاب الجيد على بعد آلاف الأميال الافتراضية فتهرع إليه لا لتضيفه رقماً على الرف، بل لتكتشفه. وقلما يخيب رجاؤها فيما تختاره من كتب على البعد عبر تفعيل إمكانات أنفها السحري.

عرفت رائدة لأول مرة قبل سنوات في تويتر باقتباساتها المدهشة والتي تعنى باختيارها بذوقها الرفيع وحساسيتها النقدية الخفية من بين ما تقرأ بدلًا من الخضوع لسهولة نقل المقولات الجاهزة كما يفعل كثيرون في وسائل التواصل الاجتماعي فيقعون في مغريات النسخ واللصق بغض النظر عن صحة ما ينسخونه ويلصقونه أحياناً من دون أن يقرأوه أصلاً.

لرائدة تغريدات جميلة في حسابها على تويتر، لكن حوارها الشفوي حول الناس والحياة والبلدان التي تزورها أجمل ما تبوح به كتابة، وهو نادر أيضاً، وهو ما شجعني على أن أحاول إقناعها بأن تنشر كتاباً يحتوي على مطالعاتها المميزة للكتب وللروايات وجولاتها الحرة بين رفوف المكتبات، وحكاياتها مع المؤلفين ومعارض الكتب ودور النشر والناشرين باعتبارها واحدة من أشهر رواد هذه المعارض والمكتبات على اتساع الوطن العربي كله.. وربما تعدت حدوده أيضاً. لكنها رفضت الفكرة وبإصرار، حتى بعد أن شرعت بإغرائها بسهولة الأمر إن هي فكرت به، خاصة أن لغتها رائعة وأسلوبها في الكتابة أكثر من ممتاز، كما أن معرفتها المميزة في عالم الكتب تتيح لها أن تقدم للقارئ شيئاً غير مكرور، أما لماذا رفضت فلأنها مستمتعة تماماً بدور القارئ.. وهو دور نادر جداً! لقد أقنعتني!

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق