برلمان

المحامي الجاسم يكتب “تقرير مختصر” حول حكم التمييز في قضية دخول المجلس

قال المحامي محمد عبدالقادر الجاسم إن محكمة التمييز أحسنت حين قررت بطلان حكم محكمة الاستئناف بسبب إخلال تلك المحكمة بحق الدفاع.

وقال الجاسم في تقرير مختصر عن حكم محكمة التمييز في “قضية دخول المجلس” : كان يتعين على محكمة التمييز أن تبطل حكم الاستئناف بسبب عدم إعلان بعض المتهمين وبالتالي عدم انعقاد الخصومة الاستئنافية بالنسبة لهم.

وفيما يلي نص التقرير المختصر الذي كتبه الجاسم وتلقت نسخة عنه:

بسم الله الرحمن الرحيم

تقرير مختصر

 حول الحكم الصادر بتاريخ 8/7/2018 من محكمة التمييز

في قضية “دخول المجلس”

حكمت محكمة التمييز في قضية “دخول المجلس” بحبس عدد من المتهمين وبالامتناع عن النطق بعقاب عدد آخر وببراءة عدد آخر.

وكانت المحكمة قد خلصت إلى أن محكمة الاستئناف أخلت بحق الدفاعمما يبطل الحكم المطعون فيه ويوجب تمييزه“، وأوضحت أن هذا الإخلال جاء نتيجة إصدار محكمة الاستئناف حكمها في الدعوى من دون الاستماع إلى دفاع المتهمين.

ثم قررت محكمة التمييز أن موضوع الاستئناف “صالح للفصل فيه”، وأصدرت حكمها لكن… من دون الاستماع إلى دفاع المتهمين أيضا.

وبالبحث عن الأساس القانوني أو الموضوعي الذي بنت عليه محكمة التمييز حقها في إصدار الحكم من دون منح المتهمين فرصة عرض دفاعهم، فلم أجد.

كما أنني بحثت عن أساس يسند قناعتها بصلاحية موضوع الاستئناف للفصل فيه فلم أجد أي أساس.

إلا أن المحكمة، وهي بصدد الرد على طلبات بعض المحامين بإعادة القضية إلى محكمة الاستئناف، قالت إنحضور محامين مع المتهمين الذين حضروا في الجلستين وترافع كل محام شفاهة عن المحكوم عليه الموكل للدفاع عنه مبديا دفاعه، كما تمسكوا بما ورد بأسباب الطعن من أوجه الدفاع والدفوع المتعلقة بالقانون والموضوع وقدم بعضهم مذكرات مكتوبة بدفاعه، ومن ثم فإن الحكمة التي توخاها المشرع من النص تكون قد تحققت، وتضحى إجراءات المحاكمة على هذا النحو صحيحة“.

وأضافت:وحيث أنه لما كانت المادة 18 من القانون رقم 40 لسنة 1972 بشأن حالات الطعن بالتمييز وإجراءاته قد نصت في الفقرة الأولى على أنه (إذا حكمت دائرة التمييز بقبول الطعن فعليها أن تقضي في موضوعه إلا إذا كان قاصرا على مسألة الاختصاص، فيقتصر الحكم على الفصل فيه وعند الاقتضاء تعين المحكمة المختصة) فإن قيام هذه المحكمة بالفصل في الدعوى دون إعادتها إلى محكمة الاستئناف يكون صحيحا، والقول بغير ذلك كما يثيره المتهمون في دفاعهم من وجوب إعادة الدعوى إلى محكمة الاستئناف للفصل في موضوعها فيه تفويت للحكمة التي توخاها المشرع من النص ومن ثم فلا محل لما يثيره الدفاع في هذا الشأن“.

وفي رأيي أن محكمة التمييز أصابت حين رفضت طلب إعادة الدعوى إلى محكمة الاستئناف، لكنها حتما أخطأت في اختيار حجة الرفض، كما أخطأت حين اعتبرت موضوع الاستئناف صالح للفصل فيه، كما أخطأت حين أصدرت حكمها من دون تحديد جلسة لنظر الموضوع ومن دون الاستماع إلى الدفاع.

وقد كان حريا بمحكمة التمييز، بعد أن انتهت إلى بطلان حكم محكمة الاستئناف لإخلاله بحق الدفاع، أن تحدد جلسة لنظر موضوع الاستئناف تتيح فيها للمتهمين عرض دفاعهم أمامها حتى يكون موضوع الاستئناف صالح للفصل فيه فعلا، إذ لا يستقيم القول بصلاحية الموضوع للفصل فيه من دون سماع المحكمة مرافعة الدفاع. والقول بغير ذلك مؤداه إفراغ الضمانات القانونية التي قررها المشرع للمحاكمة العادلة المنصفة من محتواها، وأنه لا جدوى من تقرير بطلان حكم الاستئناف. فما قيمة تقرير بطلان حكم محكمة الاستئناف بسبب عدم استماع المحكمة لمرافعة الدفاع، ثم قيام محكمة التمييز بإصدار حكمها من دون استماعها هي أيضا إلى مرافعة الدفاع؟!

ولا يسع محكمة التمييز الاستناد إلى نص المادة (18) من قانون الطعن بالتمييز لتقرير صلاحية موضوع الاستئناف للفصل فيه من قبلها بغير حاجة إلى تحديد جلسة لنظر الموضوع وبغير حاجة منها للاستماع إلى دفاع المتهمين، ذلك أن النص، وإن كان يمنحها حق التصدي للموضوع، لكنه حتما لا يجيز مصادرة الحق في الدفاع ولا الإخلال بقاعدة التقاضي على درجتين. كما أن النص لا يلزم محكمة التمييز بالفصل في موضوع الاستئناف في الحكم ذاته التي تقرر فيه تمييز الحكم المطعون فيه.

وآية ذلك أنه في العديد من الطعون التي خلصت فيها محكمة التمييز إلى بطلان حكم محكمة الاستئناف، قامت بتحديد جلسة لنظر موضوع الاستئناف ومكنت المتهم من تقديم دفاعه الموضوعي أمامها. (على سبيل المثال: الحكم الصادر في الطعن رقم 671/2001 جزائي)

ما أريد قوله هو إنه، بعد تقرير بطلان الحكم وتمييزه، يجب ملاحظة الفرق بين إعادة الدعوى إلى محكمة أخرى وبين تقرير صلاحية موضوع الاستئناف للفصل فيه من قبل محكمة التمييز. فالحالة الأولى منظمة بموجب نص المادة (18) المشار إليها، أما الحالة الثانية فهي تخضع لتقدير محكمة التمييز وفق ضوابط صارمة لا ينتج عنها إهدار ضمانات المحاكمة العادلة.

ومن أجل رفض طلب إعادة الدعوى إلى محكمة الاستئناف، لم تكن محكمة التمييز بحاجة إلى الإشارة إلى حضور المحامين أو تقديم بعضهم مذكرات أو تصميمهم على أسباب الطعن، فكل ما سبق لا صلة له بنص المادة (18) التي نظمت حالات إحالة الدعوى إلى محكمة أخرى وهي حالة الحكم في مسألة الاختصاص فقط.

ولعل ما يؤكد أن إشارة المحكمة إلى حضور المحامين لا تصلح لتبرير أي مذهب تسلكه المحكمة فيما بعد القضاء بتمييز الحكم، هو أن محاضر جلسات محكمة التمييز لم تتضمن ما يفيد تقديم أي متهم لدفاع موضوعي، بل تشير المحاضر إلى تصميم المحامين على أسباب الطعن بالتمييز فقط. وبالتالي فلا يسع المحكمة القول إن حضور المحامين وتقديم بعضهم مذكرات وتصميمهم على أسباب الطعن يكفي لتبرير التصدي لموضوع الاستئناف مباشرة ومن دون تحديد جلسة لنظره.

ومن جانب آخر، فلعله من المهم هنا أن نشير إلى أن مبادئ محكمة التمييز قد استقرت على معالجة تخالف نص المادة (18)، إذ استقر رأيها على وجوب إعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة في حالة قيام تلك المحكمة بالفصل في معارضة بغير إعلان المتهم. وهذه الحالة لم ترد في نص المادة (18) وإنما جاءت نتيجة اجتهاد صائب مستقر لمحكمة التمييز بررته في العديد من أحكامها بالتمسك بقاعدة “… حتى لا يحرم الطاعن من إحدى درجات التقاضي“. (أنظر، على سبيل المثال، الحكم الصادر في الطعن رقم 294/1997 جزائي)  

فما هو الأساس القانوني الذي يجعل محكمة التمييز تأمر بإعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة بسبب عدم إعلان المتهم إعلانا صحيحا في موعد جلسة المعارضة، ولا تأمر بإعادة الدعوى إلى محكمة الاستئناف عندما يتأكد لها عدم إعلان المتهم إعلانا صحيحا أمام الاستئناف؟ حتما ليس نص المادة (18) الذي تمسكت به المحكمة.

وبالتالي فإن قول محكمة التمييز في حكمها محل هذا التقرير إن إعادة الدعوى إلى محكمة الاستئناف يخالف نص المادة (18) هو قول غير سديد على إطلاقه، وقد كان يسع المحكمة أن تعلي من شأن قاعدة “عدم حرمان الطاعن من إحدى درجات التقاضي“، وأن تعيد الدعوى إلى محكمة الاستئناف، أو في أقل الأحوال، أن تحدد جلسة لنظر موضوع الاستئناف وتمكن المتهمين من تقديم دفاعهم الموضوعي أمامها، والاتجاه الأخير هو الأسلم قانونا في رأيي.

ويبدو لي أن محكمة التمييز كانت قد عزمت على التصدي مباشرة لموضوع الاستئناف في كل الأحوال ومن دون تحديد جلسة لنظر الموضوع وبغير الاستماع إلى الدفاع. ويمكن تحصيل هذا الانطباع من التوقف قليلا عند تجاهل المحكمة أحد أسباب الطعن بالتمييز.

فقد كان من بين أسباب الطعن بالتمييز سبب يتصل ببطلان إجراءات المحاكمة أمام محكمة الاستئناف وبطلان الحكم لعدم إعلان عدد من المتهمين بجلسات الاستئناف أو إعلانهم إعلانا باطلا. ولم يكن الإخلال بحق الدفاع هو السبب الوحيد لبطلان حكم محكمة الاستئناف. لذلك فقد كانت محكمة التمييز أمام خيارين: إما أن تبطل حكم الاستئناف بسبب الإخلال بحق الدفاع، أو أن تبطل الحكم بسبب عدم إعلان بعض المتهمين أو بطلان إعلانهم. ولا يغيب عن البال أن نيابة التمييز سايرت دفاع الطاعنين بشأن بطلان حكم الاستئناف بسبب الإخلال بحق الدفاع وبسبب عدم الإعلان أو بطلانه.

والملاحظ أن محكمة التمييز اختارت إبطال الحكم وتمييزه بناء على السبب المتصل بالإخلال بحق الدفاع وتحاشت السبب المتصل بالإعلان، وقررت المحكمة تمييز الحكم “دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن المقدمة من الطاعنين …”.

ولعل السؤال المستحق هنا هو: هل تتغير النتيجة إذا ما تم تمييز حكم الاستئناف لبطلانه بسبب عدم إعلان المتهم وليس بسبب الإخلال بحق الدفاع؟

لقد تتبعت أحكام محكمة التمييز بحثا عن المعيار القانوني أو الموضوعي الذي تستخدمه المحكمة، بعد تمييز الحكم، في تقرير التصدي المباشر لموضوع الاستئناف في الحكم ذاته الذي تقضي فيه بتمييز حكم الاستئناف، أو تحديد جلسة لنظر موضوع الاستئناف، ولم أتمكن من العثور على معيار منضبط.

ففي حالات تم فيها تمييز حكم الاستئناف بسبب الإخلال بحق الدفاع، وجدت أن محكمة التمييز حددت جلسة لنظر موضوع الاستئناف. وفي حالات أخرى مشابهة تماما، تصدت بشكل مباشر لموضوع الاستئناف.

لكن ما لفت نظري حقيقة هو أن محكمة التمييز، في الغالب وليس دائما، تحدد جلسة لنظر موضوع الاستئناف بعد أن تنتهي إلى تمييز الحكم بسبب بطلانه نتيجة عدم إعلان المتهم أو إعلانه إعلانا باطلا أمام محكمة الاستئناف. بل أكثر من ذلك ففي بعض الأحكام تنبه المحكمة النيابة العامة بوجوب إعلان المتهم بموعد جلسة النظر في الموضوع إعلانا صحيحا. (الحكم الصادر في الطعن رقم 246/1999 جزائي)

وكشف لي تتبع أحكام محكمة التمييز أن تقرير المحكمة تحديد جلسة لنظر موضوع الاستئناف لم يقتصر على حالات بطلان الإعلان أو الإخلال بحق الدفاع، بل توسعت المحكمة وامتد الأمر حتى وصل إلى تحديد جلسة لنظر موضوع الاستئناف بسبب “اختلال فكرة الحكم عن عناصر الواقعة وعدم استقرارها“. (الحكم الصادر في الطعن رقم 569/2001 جزائي)،

وبسبب “القصور في التسبيب“. (الحكم الصادر في الطعن رقم 29/2001 جزائي)،

وبسبب “خلو الحكم من بيان نص القانون الذي دان الطاعن بمقتضاه“. (الحكم الصادر في الطعن رقم 260/1997 جزائي)،

وبسبب إغفال الرد على دفاع جوهري. (الحكم الصادر في الطعن رقم 674/2001 جزائي)،

وبسبب عدم اطلاع محكمة الاستئناف على الورقة المزورة. (الحكم الصادر في الطعن رقم 1338/2017 جزائي.)

ولعل إغفال محكمة التمييز التطرق لأسباب أخرى للطعن غير الإخلال بحق الدفاع، مثل “بطلان الإعلان وعدم الإعلان“، يعود إلى أن تقرير بطلان الحكم بسبب متصل بالإعلان يوجب على المحكمة تحديد جلسة لنظر الموضوع وليس الفصل في الموضوع، لأن بطلان الإعلان أو عدم الإعلان يعني عدم انعقاد خصومة الاستئناف، وبالتالي لا يمكن القول بأن “موضوع الاستئناف صالح للفصل فيه”، فما دامت خصومة الاستئناف لم تنعقد قانونا، فلا مجال للقول بصلاحية موضوع الاستئناف للفصل فيه.

من جانب آخر، فإنه لا يغيب عن البال أن كمية الأخطاء القانونية والموضوعية التي وقعت فيها محكمة الاستئناف، بالإضافة إلى كثرة عدد المتهمين وتنوع دفاعهم الموضوعي، وعدم تقديم عدد منهم لأي دفاع أمام محكمة الاستئناف، وعدم انعقاد الخصومة بالنسبة لبعضهم بسبب عدم إعلانهم أو بطلان الإعلان… كل ذلك يجعل من الصعب جدا تقبل قول محكمة التمييز بصلاحية موضوع الاستئناف للفصل فيه لاسيما إذا قارنا بين قضية “دخول المجلس” وقضايا أخرى فردية خالية من التعقيد الموضوعي قررت فيها محكمة التمييز تحديد جلسة لنظر الموضوع.

الخلاصة 

  • لقد أحسنت محكمة التمييز حين قررت بطلان حكم محكمة الاستئناف بسبب إخلال تلك المحكمة بحق الدفاع،
  • لكن كان يتعين على محكمة التمييز أن تبطل حكم الاستئناف بسبب عدم إعلان بعض المتهمين وبالتالي عدم انعقاد الخصومة الاستئنافية بالنسبة لهم،
  • وفي جميع الأحوال كان يتعين على محكمة التمييز، بعد تقرير بطلان حكم الاستئناف، تحديد جلسة لنظر موضوع الاستئناف وتمكين المتهمين من تقديم دفاعهم،
  • لكن محكمة التمييز وقعت في الخطأ ذاته الذي وقعت فيه محكمة الاستئناف،
  • إذ أنها في نهاية المطاف حكمت بحبس وإدانة عدد من المتهمين من دون الاستماع إلى دفاعهم القانوني والموضوعي.

 إن ما سبق هو تقرير موجز ومبسط، وحكم التمييز في قضية “دخول المجلس” يستحق إخضاعه لدراسة متعمقة لتقييم موقف محكمة التمييز من نظرية البطلان المتعلق بالنظام العام ومن مفهوم الإخلال بحق الدفاع.

 

التقرير بصيغة ملف:

تقرير مختصر حول الحكم الصادر بتاريخ 8/7/2018 من محكمة التمييز في قضية “دخول المجلس”

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق