كتاب سبر

العرب والشجاعة.. وكليب وجسّاس

القارئ للتاريخ العربي يلاحظ بأن الطبع الغالب على العرب عشقهم للشجاعة والشجعان.. وفي عصرنا الحالي تجدهم يستمتعون بقراءة قصص الشجعان التي تتحدث عن بطولاتهم.. فالعرب تعشق كل شجاع وتحفظ اسمه وكأنه هوية لهم … وجميل أن تقرأ لهؤلاء الشجعان وأن تقتدي بهم، ففي الشجاع الحقيقي خصلة وهي الثقة بالنفس التي تترجم بالعفو عند المقدرة، وأما الأرعن والمتهور فقد تختلط به الشجاعة والجبن!.. ولا تستغرب، فالجبان أيضا أرعن ومتهور إذا كانت لديه سلطة مطلقة، فإذا وضعت في يده الأسلحة النووية تجده يستخدمها من أول يوم من امتلاكه لها، بسبب مخاوفه من كل شيء يتحرك بجانبه، لذلك نرى أن هناك من العرب من عشاق الشجاعة من اختلط عليه الأمر فجعل الجبان الأرعن شجاعا لا يشق له غبار !!.

وبمناسبة الشجاعة وعشاق الشجاعة … ذات يوم كنا في مجلس مع الأصحاب، وكان الجميع لا سيرة لهم إلا سيرة مسلسل الزير سالم، فقال أحدهم: ما رأيكم في كليب وجساس وهل هناك فرق بينهما ؟… وما أن انتهى صاحبنا من سؤاله حتى هبت ريح عاصفة في المجلس !.. فشن الجميع هجوما خاطفا ضد صاحب السؤال: كيف تضع مقارنة بين كليب الشجاع المقدام وبين الخائن الرعديد جساس ؟!.. هل جننت حتى تجعل اسم جساس الجبان مع اسم كليب الشجاع في مقارنة !!… فقال صاحبنا مصدوما: يا أصحاب نحن نعلم بأن كليب شجاعا فاتكا ومن أشهر العرب بالشجاعة وأجمع علماء التاريخ على هذا، ولكنه كان طاغية جبارا، فقد استعبد قومه وكان يحمي موارد المياه فلا يردها أحد من قومه إلا بإذنه، وهاهو المسلسل أمامكم وتشاهدونه معي !.. وأما جساس فليس جبانا وإنما لم يرض الإهانة والاستعباد ورفض أن يُمنع من إجارة الملهوف ومن إكرام الضيف إلا بعد أخذ إذن من كليب، وهذا ما يرفضه كليب الذي كان يقول: لا جوار إلا جواري والضيافة في مجلس الملك فقط! … وأما جساس فقد قال عنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما سأل أحد القبائل وهي من ربيعة عن شخصيات بارزة ومشهورة في القبيلة: أمنكم جساس بن مرة بن ذهل حامي الذمار ومانع الجار ؟… وهذا دليل أن كل منهما له نصيب من الشجاعة والمروءة والكرامة .. ولكن عيب كليب هو طغيانه وبغيه على قومه وهذا ما رفضه جساس، وعيب جساس هو طعن كليب في ظهره بعدما سأل كليبا أن يلتفت بوجهه ناحيته ولكن كليب كان يرفض مجرد النظر في وجهه تكبرا.

هنا قلت في نفسي: لا فائدة من الحديث، فبعض العرب تعشق كل طاغية بغى وبطش في قومه، وتراه شجاعا عظيما في حياته وقد يحميهم ويحمي دولهم يوما ما، وتخلده بكاءً ورثاءً في مماته.. والعويل والنواح السنوى على طغاة هلكوا لم ولن يتوقف .. فنحن في حضرة العرب.

نقطة مهمة:

كل من عشق طاغية وتغنى في بطولاته، سواء في التاريخ القديم أو الحديث، كان هو وأهله وأولاده وصحبه بعيدون كل البعد عن بطش وإهانة هذا الطاغية، فهم لم يذوقوا العذاب والإهانة وفقدان الأهل قتلا وسجنا، لذلك تجدهم يرون إهانة وبطش الطاغية بأهله وشعبه هو عنوان للشجاعة والفروسية..!

سلطان بن خميّس

سلطان بن خميس

سلطان بن خميس

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق