أقلامهم

ديجيتال

في مطار جي إف كي بنيويورك أجهزة إلكترونية تستقبلك عند مدخل صالة الجوازات، عليك أن تدخل معلومات جواز سفرك بها، ثم تجيب عن عدد من الأسئلة، ويقوم الجهاز بطباعة الأجوبة، التي عليك أن تأخذها لموظف الهجرة ليدقق فيها. إذا كنت غشيماً بعالم الديجيتال تتوه. عليك أن تسأل ما هو المطلوب تحديداً. قد يوجد أحياناً “موظف ما” يساعدك في الخروج من حالة الجهل التي تكون بها. موظفو كاونتر الهجرة كانوا خمسة أو ستة أفراد فقط لطوابير طويلة من القادمين، تلك الأجهزة الإلكترونية وفَّرت خدمة المعلومات المطلوبة لإدارة الهجرة، لكنها قطعت أرزاق الكثيرين في سوق العمل.

مشاهد مماثلة في معظم مطارات أميركا، كي تحصل على “بوردنغ كارد”… لا بشر تتفاهم معهم… تحاورهم… تسألهم… تنتظر إجابتهم… تتبادل معهم مشاعر إنسانية… جفاء… غربة… فرضها عالم الديجيتال.

هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأسبق في عهد نيكسون، بطل الحرب الباردة في تلك الأيام، وقد يكون من أكبر المنظِّرين الاستراتيجيين، تجاوز عمره التسعين عاماً ومازال مفكراً ناشطاً، كتب في “الأتلانتيك” مقالاً طويلاً عن “كيف ينتهي التنوير… فلسفياً وعقلياً… المجتمع الإنساني ليس مستعداً لسيادة الذكاء الاصطناعي (IA)”.

عند كيسنجر الكمبيوتر يقوم بعمليات حسابية لا تنتهي، ويبني عليها كي يطور برنامجه، يهزم بتلك العمليات “الخوارزمية” أعظم لاعبي الشطرنج… لعل هذا الجهاز هو أعظم اختراع تقني بعد آلة الطباعة في القرن الخامس عشر.

إلا أن المعرفة الإنسانية تخسر هنا روحها الشخصية، البشر يصبحون معلومات… أرقام “داتا” من دون محتوى تنظيري، عالم الديجيتال يوفر معلومات لأغراض تجارية سياسية، وغيرها، لكنه لا يوفر لك الحكمة، أي حكمة إصدار القرار وموازنة الأمور.

مستعملو أجهزة الديجيتال يمكنهم استخدام التقنية لتحقيق الكثير من أهدافهم… يمكنهم بتلك الأجهزة كسر طوق وحدتهم عندما يكونون عالقين في ضجة الجهاز وتقنياته، لكن التاريخ علَّمنا أن الإبداع لن يكون للفرد بغير معاناة الترحال وحيداً في عالم البحث والفكر، وبغير هذا لا يوجد إبداع إنساني… ماذا عن سيارة القيادة الذاتية التي ستعم الأسواق؟ كيف نأمن لها؟ ماذا عن الوعي الإنساني، الوعي بالذات… القيم الأخلاقية… العقلانية، كيف يمكن ضبطها في عالم الديجيتال؟ ماذا عن القادة السياسيين الذين بحركة إصبع يتصورون أنهم يمكنهم إدارة أمور إداراتهم ودولهم؟ كيف يمكن أن تتحقق المسؤولية إذا حدث خطأ ما؟!

الكثير كتبه كيسنجر في التحذير من مغبة الاتكال الكبير على أجهزة الديجيتال… اختصرت الكثير من مقاله، هناك أكثر يمكن قوله في الجانب الفلسفي، مثل حالة تزايد الغربة الإنسانية مع هذه الأجهزة. فلاسفة مثل هايدغر كتبوا عن التقنية، وكيف تغرب الإنسان عن عالمه ووجوده الإنساني… لم يلحق هذا الأخير بعالم الديجيتال.. أما هنا رسمياً، فلا يمكننا أن نضيع معهم… فعبارة “الجهاز عطلان” أو الموظف المختص بالجهاز لم يحضر بعد، تغنينا عن كل هذا التعب… فلنمد أقدامنا حتى تحل لحظة الحكومة الإلكترونية، حقيقة لا شكلياً.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق