آراؤهم

موعد متجدد في لندن

هناك حيث تتساقط أوراق الخريف وتتراكم الغيوم لتحجب أشعة الشمس كان لي موعد متجدد مع هموم العرب وسط العاصمة البريطانية لندن.. أين تبقى مبادئ حقوق الإنسان راسخة وسط أوراق الخريف المتناثره، وتبقى الحقيقة ساطعة لاتحجبها غيوم الشتاء.
وفي هذا الخريف بدا ينتشر كالنار في الهشيم مقطع للاجئ سوري يدعى جمال وعمره 16 عاماً يعاني فيه من أبشع أنواع التنمر من قبل زملائه الطلبة بمدينة هيرسيفلد حيث يتم تصويره ذليلاً ومهزوماً لا حول له ولا قوة. والشيطان يكمن بتفاصيل الحادثة حيث تبدو بالمقطع يد جمال مكسورة ويتبين بحسب بلاغ مقدم لشرطة المدينة من أهل الطالب أنها نفس الجماعة هي التي سبق لها أن كسرت يده والأمر لم يقف عند هذا الحد بل طال شقيقته في نفس المدرسة وتم تصويرها أثناء الإعتداء عليها لفظياً وجسدياً بمشهد بشع.
تم فصل المعتدي ومجموعة من رفاقه من المدرسة وتلقى تهديداً من سكان المدينة بالضرب مما استدعى الشرطة لتحيط بمنزل أسرته خوفاً على سلامة ابنها حيث صرح أحد أفراد أسرته “أن حياة الأسرة أصحبت جحيماً”.

وقام أحد النشطاء عبر الفيس بوك بفتح صفحة للتبرعات لعائلة الشاب السوري ووصل مبلغ التبرعات إلى 62 ألف جنيه أسترليني ورفض والد الشاب استلام المبلغ لأن عائلته ليست بحاجة الى المال.
الدساتير الحديثة تتمحور حول كلمة الإنسان قبل المواطن وعن حقوقه قبل واجاباته، ولكن ذلك التضامن الشعبي الذي أعاد لهذا الشاب حقه وأعاد له اعتباره كإنسان، بعيداً عن قوة القانون كان أمراً ملفتاً.
في بريطانيا الديموقراطية ليست صندوق انتخاب فحسب بينما هي حالة إنسانية حيث أنها تبدأ من الإنسان وتعود إليه، ومتى ما انتهكت حقوق الإنسان كانت العدالة الإجتماعية في خطر، فالقانون هنا فصل الشاب المعتدي من المدرسة ولكن الوعي المجتمعي حول حياته إلى جحيماً لجريمة عنصرية.
هاجرت أسرة جمال مدينتها حمص في بداية الثورة عام 2012 متجهة إلى بريطانيا مروراً عبر لبنان، وهو طالب متفوق في دراسته، فالسؤال الحائر ماذا لوكان جمال في بلد آخر من بلدان “حروق الإنسان”؟أليس هناك الألوف أمثال جمال هنا وهناك؟ أي حياة يعيشها هؤلاء وهم في بلدان سكانها ممنوعين من حقوقهم الأساسية فما بالك باللاجئين؟
طاقة من الإبداع مكمونة في كل إنسان ولكنها تبقى مقموعة تنتظر بيئة مناسبة تنفجر فيها، أما البيئة البائسة تتحول خلالها هذه الطاقة إلى قنبلة موقوتة.
أنتظر في المستقبل أن أسمع عن ذلك الدكتور المهاجر من أصل سوري في بريطانيا أو كندا أو ألمانيا الذي قدم الاضافة للحضارة الإنسانية باختراع من اختراعات العلوم، كما أنتظر أن أسمع قصة عن تلك الوزيرة من أصل سوري المهاجرة من إدلب أو حمص أو غيرها من المدن السورية في الحكومة البريطانية أو الكندية أو غيرها، وأنتظر أن أسمع عن كم من الدكاترة والأستاذة واللاعبين والفنانين من أصول سورية في أرض زرعت بذورهم وسقتها حتى أثمرت.

عبدالوهاب النصف

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق