أقلامهم

الدكتور حسن عباس يدعو لتبني الشيعية السياسية

د. حسن عبد الله عباس

لافارسية .. بل شيعية سياسية

يحلو للكثيرون أن يصوروا مرة التمدد الإيراني بالخطر الفارسي الصفوي، ومرة بالخطر الشيعي المذهبي.

لنبدأ بالعنوان الفارسي. كثيراً ما تسمعون بأنه خطر قومي فارسي مقبل ويجب الاستعداد والترقب والتصدي له. بصراحة هذه دعوة شديدة السذاجة والسخافة، إن لم تكن غبية أصلاً وتسيء لقائلها قبل عدوه. القومية الفارسية لا تصلح لأن الإيرانيين هم بأنفسهم يحاربونها. فالإيرانيون يعيشون حرباً داخلية فيما بينهم للقضاء عليها بدعوى انها حملة جاهلية، وأقرب مثال زمني الهجوم الشرس على مستشار الرئيس الإيراني رحيم مشائي بدعوى أنه يروج للقومية الفارسية الزرادشتية المناقضة للإسلام، وهي التهمة التي تعب مشائي وهو يتبرأ منها، في وضع يذكرنا بدفاع بوش الابن عن نفسه عندما اتّهم بالتدين ودمج الدين بسياساته. وللأمانة لم أعد أعرف شخصياً معنى القومية لأنها لم تعد ذات معنى أصلاً فالناس استوطنوا دياراً غير ديارهم الأصلية، فالعربي في الغرب الفرانكفوني، والفارسي في الإقليم العربي، والتركي لدى الفارسي، وغير ذلك. ثم لا تنسى أن الإيرانيين خسروا جولة القومية منذ قيام دولتهم قبل أكثر من ثلاثة عقود لأن مرشد الثورة وملاليهم كلهم من أصول عربية «قحية»، فالسادة المعممون يمتد أصلهم لسيد العرب والخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم. 

المذهبية الشيعية إذاً هي العامل الآخر الذي يستخدم للتخويف من التمدد والتوسع الإيراني. لكن بصراحة لو تمعنت النظر قليلاً لقرأت بأنها دعوة تصلح لتكون إيجابية وتحسب لها ولا تصلح للهجوم عليها. فعلى العكس تماماً من هذا التهويل، الشيعة كطائفة جاءت واستقرت كنظام سياسي يحكم إيران لمدة ثلاثين عاماً فقط، وهي مدة زمنية قصيرة جداًً مقارنة بأنظمة دينية أو مذهبية وقبلية وعشائرية ودستورية موجودة منذ مئات الأعوام. فلاحظ ولجانب قصر الخبرة السياسية للنظام الشيعي في الحكم، لاحظ الحصار الاقتصادي الدولي المفروض عليه، ولاحظ كذلك حرب الثمانية أعوام، ولاحظ مرة رابعة التضييق الدولي والأمني وسياسات الاحتواء المتنوعة، فرغم كل تلك الملاحظات لم يستطع المذهب الشيعي أن يحافظ على كينونته السياسية ووجوده على المسرح الدولي فحسب، بل استطاع استمالة الجار العراقي، ووسّع نفوذه ليزرع «أشواك» في خاصرة إسرائيل ويوقفها عند حدها وغرورها، واستطاع وبسبب هذه الضغوط ليبني لنفسه استقلالية علمية واقتصادية وأنشطة وتحالفات دولية ابتعدت كثيراً عن جغرافيته الإقليمية حتى وصل ليلامس الحدود الأميركية على الأرض، ولامس الفضاء بأقمار اصطناعية وصواريخ عابرة للقارات، ومشى على البحر بسفن وغواصات محلية الصنع، وكشف عن الذرة والنووي ودخل في العمق الفيزيائي، فهذا كله حصل بفضل استحداثه لنظام سياسي خاص به أمكنه من إيجاد توازن بين حكم الدين وحكم الشعب. فهل هذه المواصفات والظروف وهذه الانجازات وبالقدرات الاقتصادية المتواضعة مناسبة للتخوف من المذهب أم يجب إعادة النظر به لأنه عامل قوي ومدعاة لادخال الرعب في قلب العدو المشترك، فهل نتخوف منه أم ننتظر الجهاديين الإسلاميين الذين رفعوا السلاح في كل مكان وقتلوا ابناء وطنهم والابرياء في كل بقاع الارض إلا قضية الإسلام الأولى: القدس وإسرائيل؟

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق