سبر القوافي

“انا صحيح بدون جنسية لكنني لست بدون وطن”

إن كان في شعر ماقبل الإسلام صعاليك أبدعوا رغم الظروف الاجتماعية الصعية التي قاسوها وأعلنوا رفضهم لها وتحديها.. فهناك شعراء عاشوا بيننا وقاسوا الكثير ثم حلقوا بتمردهم وإبداعهم ليعلم جمهورهم أن الكويت لم تعترف بأبنائها المبدعين الشعراء من فئة غير محددي الجنسية.. الزميلة مشاعل الفيصل تسلط الضوء على هؤلاء وترصد نجومهم..

الشعراء البدون بين الوطن واللاوطن

..قالتها سعدية مفرح، الشاعرة الكويتية بكل شيء إلا بتلك الورقة، تلك الورقة هي نفسها التي تحرم الكويت بأن تتجمل أكثر باسماء مبدعيها وتتبناهم وتتفاخر بهم أمام العالم. ما الذي يمنع دولة بمثل الكويت أن تبجّل قريحة من تربى بحضنها وأشهر انتمائه بروحه ودمه وحبه أمامها، لماذا تمنعه ورقة لا قيمة لها  سوى أنها تمنع شاعرة بقدر سعدية مفرح وغيرها من المبدعين بأن يعيشوا كباقي أبناء الوطن، بأن يعيشوا من دون أن تتعطل أمور حياتهم اليومية، بأن يخرجوا ويدخلوا بسلام من دون أن يجرح وطنيتهم  سؤال أو نظرة لا تفقه ما هو الانتماء، بأن يسافروا هنا وهناك بحرية لاستلام جوائزهم أو الاجتماع بمختلف جمهورهم العربي أو بحضور مؤتمرات ثقافية وغيرها، دون المرور بألف ختم وأذن وطلب. لماذا تذكرهم هذه الورقة دائماً بجفاء أمهم التي أنجبتهم، وتجرح أحاسيس شعراء  فضحوا ما بداخلهم من نقاء وطهر وإبداع، وتتبين لنا ما بداخلهم عندما اختلفوا و صعدوا شعراً ونقاوة.

  تلك الورقة هي نفسها سبب غربة سليمان المانع، تبين لنا حزنه الأزرق من كلماته المحشوة بالأنين والغربة والاختلاف، يعتب على أرضه ووطنه من دون أن يغضب ذلك الوطن.. تجرحه كلمة انتماء ومواطنة، ويجرعه الجوع والبرد والحر، ويجرحه الكرم من دون مال، تطرده القوانين بأن يكون ابن الكويت الشرعي غير المعترف به، كويته قست عليه، وبلطفه وبساطته وحزنه يعاتبها يذكرها من جده ومن أباه، يذكرها بأنه ابنها ويجب أن تحن عليه وإلا سيرحل، وتخسر هي أحد أعلام الشعر، وكانت هذه الأبيات قبل استلام تلك الورقة التي تعني العيش الكريم بحرية دون أسئلة تحقيق حول انتماء.

 

“يمكن تسائل وش حدني للحماسي

  يمكن تسائل وش بك اليوم زعلان 

أكيد ماجربت حر الماسي

 اكيد ماجربت جورٍ وحرمان 

ارضٍ رعت خيرتها للوداسي

 باعشِ باخشوين باشميل إخوان 

الليل الأسود والبطاقه سواسي

  شبابنا ضايع والحال وجعان 

لو الانتحار يجوز لأشرب بكاسي

 سمٍ وأذب الجسم ترابٍ وديدان 

ياشيوخنا وين الهدوم المكاسي

  وين الدفا لا صرت بالحيل بردان 

إما اوصلوا وطالبوا بالجناسي 

ولا نغرب للـ حديثه لأبو سليمان”

 

..ولا تختلف ردة فعل الشاعر فهد عافت، فقد أخذه الغضب على حاله، فانسان بحجمه لا يرضى بأن يكون غير حر ومبدع، فيكون الطفل المدلل في حضن بلده، ولا يرضى بأقل من ذلك.. مثل هذه الأوضاع يخرج فيها الإنسان عن حالة الصبر فتتساوى عنده الأمور ويكره أي شيء يعوق سعادته وحريته و عيشه الكريم. فهد عافت  يُحتضن فقط، فهو خُلق لذلك.. خلق ليكون نجم يتلاعب بالحروف ويشكلها ليبهرنا بها.. لن يكون هذا الحر ضحية لظروف قانونية و ورقية أو فئوية  تدلل من تشتهي، يقول وذلك قبل أن يأخذ الجنسية السعودية، ويصبح شاعرا مبدعا سعوديا خُلق بجهراء الكويت:

“مايشرفني أكون من العرب

أحمد الله يوم خلاني بـدون”

 

ذلك الغضب تشكل عند الكثير من طيور الوطن فرحلوا لأنهم يستحقون الأفضل وحملوا جنسيات مختلفة غير فهد عافت. هناك الشاعر المبدع رمز الكويت الأدبي فخرياً وشعراياً سليمان الفليح فقد عانى الكثير مع أن مثله ليس عليه أن يثبت ولائه ولا حبه للكويت عندما أخذ الجنسية السعودية، فدمائه وشعره وحرفه وقلبه كويتي بكل المقاييس، و أيضا علي المسعودي ابن الكويت قلبا وقالبا طوال حياته ومسيرة ابداعه، إلى أن أضاء دولة قطر بنجمه وباسمه وبأدبه عندما احتضنته كثروة أدبية ..

 

   وأيضاً الشاعر محمد جابر النبهان يحلق اسمه في سماء كندا، رحل أو تغرب مجبرا بعدما هجره تراب وطنه وقسا عليه، فهو ابن الكويت التي أبت ان تعترف به، فأخذه حب الحياة والكرامة إلى كندا بتسجيل مبدع عالمي قادم من الكويت، من أرضها.. فقد ناجى النبهان كثيراً تراب وطنه وأصدقائه، عانى أصعب آلام الشوق والحنين لوطنه، وعانت الكويت بعده أصعب كلمات العتاب وأصعبها.. يقول النبهان  :

 

  وطن

وَطَني …

هَل وَطَنٌ يُسقِطُ إِسمَ حَبيبٍ فيه ؟

يُشَمِّعُ بالأَحْمَرِ كُلَّ سِجِلاّتِ مَدائِنهِ

أَو يَشطُبُ بالأَحمَرِ أَسماءَ النّاسِ

أَجوعُ إِليكَ أَيا وَطناً غَرَّبَني

كَيْ أَشحَذَ أَرضاً

اسماً

وَجهاً لا يُشبِهُ مِلحَ تَكَوُّنِنا .

….

 وَطَني ..هَل وَطنٌ ؟

أَم بِئرٌ للنَّفطِ مُشَرَّعُ في الصَّحراءِ

لدَلْوِ الغُرَباءْ !

 

 فهذه ليست الباقة كاملة، سنتحدث مزيدا عن أسماء شابة تتصاعد لتصطف مع نجومنا التي يفتخر بها الوطن وترابه. فتلك النجوم ببريقها الفريد وغطرستها الأدبية، أضاءت سماء الكويت بحب وانتماء وإلحاح، ولكن عاشت بهذا الوطن بألم وبؤس وصعوبة، قاست جفاء ترابه وبروده شتائه واضطهاد شعبه،  يمرون خلال السنين ويكبرون قبلها، يكبرون ألما ويكبرون أدباً وفكرا وأبداعا.. نعم هي نجوم تضيء الكويت ولكن الكويت لم تلتفت لبريقهم.. هم ليسوا نجوم الكويت قانونيا، ولكنهم نجومها بكل التشريعات الوطنية بأديانها.. 

 

.. مع ذلك ما فائدة أن نحمل اسم وطن لا يحمل اسمنا.. ولكننا نضل نناجيه أن يكفل دمعتنا.. ويحمل حروفنا على عاتق المواطنة والانتماء والتقسيم الفئوي والقانوني، يعيش فيه الغريب قبل الابن ويدلل فيه اللص قبل الشريف ويسعد فيه التافه ويُجلد العزيز.

مشاعل الفيصل

@Negative87: twitter

 

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق