أقلامهم

أحمد الديين يتحدث عن سرقة الثورات واستكمالها ويرصد الحالة المصرية

بين سرقة الثورة واستكمالها…!  
 
أحمد الديين
 
شهد التاريخ الإنساني العديد من الثورات المغدورة والمجهضة، وهناك مَنْ يخشى أن تكون الثورة المصرية إحداها… فهذه الثورة لما تستكمل مهامها بعد، ذلك أنّ الجماهير المصرية لم تنتفض لتسقط شخص رئيس النظام وحده، وإن كان إسقاطه أحد مطالبها، وإنما انتفضت من أجل إسقاط النظام ككل، نظام الاستبداد والفساد وسلطة تحالف رأس المال الطفيلي مع الطغمتين العسكرية والأمنية الذي كان حسني مبارك يمثّل واجهته الرئاسية.
إنّ ما تمّ انجازه إلى اليوم لم يتجاوز إسقاط شخص رأس النظام وواجهته، بينما لما يتم بعد إسقاط النظام الذي انتفض الشعب المصري لإسقاطه، وبالطبع لم يسقط التحالف الطبقي الحاكم ولم تسقط سلطته المتحكمة، إذ لم تتغيّر الطبيعة الطبقية السلطوية للنظام، وإنما تبدّلت واجهته بانتقالها من الرئيس المخلوع إلى “المجلس الأعلى للقوات المسلحة” الذي يقوده كبار الضباط من عناصر النظام ذاته… وهذا يعني أنّ الثورة المصرية لما تستكمل مهامها بعد، وهو ما يفسر التحرك الشعبي الأخير الذي تشهده مصر هذه الأيام لاستئناف عملية التغيير الثوري غير المنجزة.
صحيح أنّه في لحظة تاريخية معينة فقد كان موقف كبار الضباط حاسما ومقررا ويمثّل مَخْرَجا مقبولا لدفع مبارك إلى مغادرة كرسي الرئاسة، إلا أنّ ذلك الموقف لم يكن انحيازا بريئا من الغرضية، وإنما كان القصد منه أن يكتفي المصريون برحيل الرئيس مع الإبقاء على النظام ذاته الذي انتفضوا ضده وطالبوا بإسقاطه… ولعلّ الشواهد ومسار الأحداث بعد 25 يناير تؤكد صحة مثل هذا الاستنتاج، حيث مارس “المجلس العسكري” سطوته السلطوية وأصدر قانونا قمعيا يقضي بمنع الاعتصامات والمظاهرات والإضرابات؛ كما أصدر قانونا آخر يضع شروطا تعجيزية تمنع عمليا تأسيس أحزاب سياسية جديدة، وهي شروط موجهة ضد الأحزاب التقدمية واليسارية تحديدا، خصوصا ذلك الشرط المتصل بمنع تأسيس أحزاب على أساس طبقي، مع أنّ الأحزاب السياسية إنما هي بالأصل تنظيمات تعبّر عن المصالح الاجتماعية والاقتصادية والتوجهات الفكرية لمختلف طبقات المجتمع، هذا بالإضافة إلى مسؤولية “المجلس العسكري” عن فضّ العديد من الاعتصامات بالقوة، وتقديم المتظاهرين إلى المحاكمات العسكرية، ولعلّ هناك مشهدين يلخصان مفارقات الموقف المناور للطغمة العسكرية يمكننا أن نلحظهما عندما نقارن بين المشهد الدراماتيكي لتأدية اللواء محسن الفنجري مساعد وزير الدفاع وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة التحية العسكرية العلنية لشهداء الثورة في خطابه الشهير المتلفز الذي ألقاه عندما كانت الثورة الشعبية في أوج قوتها خلال شهر يناير الماضي؛ وبين مشهد لغة التهديد الصريحة والمضمرة التي جاءت على لسان اللواء الفنجري ذاته في خطابه الأخير الموجه ضد القوى الشعبية التي تطالب باستكمال الثورة!
وأحسب أنّه من المفيد التوضيح أنّ التناقض الرئيسي في مصر ليس مثلما يجري تصويره على أنّه صراع يدور بين دعاة “الدستور أولا” ودعاة “الانتخابات أولا”، وإنما هو صراع دائر بين مَنْ قفزوا على موجة الثورة الشعبية المصرية ويحاولون الآن إجهاضها وحصرها في حدود سقوط مبارك، وبين القوى الشعبية التي انتفضت مطالبة بإسقاط النظام وليس رمزه فحسب وتسعى من أجل إنجاز المهمة غير المكتملة… أي أنّ الصراع الحقيقي يدور بين دعاة “الإبقاء على النظام أولا” الذين يحاولون سرقة الثورة؛ وبين قوى الثورة التي تريد “استكمال الثورة أولا”… واستكمال الثورة، وفق ما تطرحه الآن القوى الثورية، يتطلّب من بين ما يتطلّب حسم أمر عودة الجيش إلى ثكناته وتسليم السلطة إلى مجلس رئاسي مدني يُنتخب لاستكمال مهام المرحلة الانتقالية، ويتطلّب بالضرورة تطهير الجيش والداخلية والإعلام والقضاء من فلول النظام الذي طالب الشعب بإسقاطه، ويتطلّب تطهير الدولة وأجهزتها من عناصر الفساد، ويتطلّب الإسراع في إجراء محاكمات علنية عادلة لمرتكبي الجرائم ضد الشعب من الطغمة الحاكمة وأزلامها، ويتطلّب في المقابل وقف المحاكمات العسكرية للمعتصمين والمضربين والإفراج عن المحكومين منهم ومحاكمتهم أمام القضاء العادي، ويتطلّب إلغاء القانون غير الديمقراطي بمنع الاعتصامات والإضرابات؛ وكذلك إلغاء القانون التعجيزي لتأسيس الأحزاب السياسية.
باختصار فإنّ مصر اليوم تواجه منعطفا تاريخيا حاسما… والمرجح غالبا أن يفرض الشعب المصري خياره!
 

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق