أقلامهم

من بحر خبرته الواسع في الشأن الإقليمي.. عبدالله بشارة يكتب عن دولة أبو مازن الفلسطينية

أحزان أبومازن في بحرها الميت
عبدالله بشارة
 
وضع قرار اللجنة العربية المكلفة بالشأن الفلسطيني في اجتماعها الأسبوع الماضي بالذهاب الى الأمم المتحدة للحصول على عضوية الدولة الفلسطينية، وضع ذلك القرار السيد أبو مازن رئيس المنظمة في موقف يستدعي اجراء حسابات دقيقة وتحليلات عميقة من أجل التعرف على حسابات الأرباح والخسائر، وعلى ما يمكن ان يجنيه المواطن الفلسطيني من قرار اللجوء الى الأمم المتحدة وتشخيص الحصيلة بموضوعية هادئة وأعصاب باردة، فلم تعد قضية فلسطين تحتمل قرارات غاضبة قد تؤدي الى تعقيدات وخسائر لا يحتملها الوضع الحالي، خاصة وأن الولايات المتحدة لم تخادع في سياستها وأبلغت المنظمة بأنها ستعارض طلب الانضمام وستلجأ الى الفيتو، مع اشعار اضافي آخر بأن المساعدات المالية الأمريكية والدعم السياسي الأمريكي كله سيتوقف انسجاما مع القرار المتشدد من الكونجرس.
ماذا يفعل أبو مازن في هذا الظرف وأمام هذا الوضع الذي انسدت فيه الخيارات؟
من الواضح ان قرار أبومازن في حمل الملف الى الأمم المتحدة وليد احباطات بعد ان تجمدت فرصة استئناف المفاوضات ونتاج غضب من قلة الاختيارات التي قد توقف وحش الاستيطان الذي يأكل الأراضي الفلسطينية يوميا، بينما أهل القضية يتجادلون حول مفاهيم عقيمة عن التنازلات وعن الثوابت، تاركين الساحة للمستوطنين يبنون عليها ما يشاؤون غير عابئين بالزجر والتأنيب من المعارضة العالمية.
هل يقدم أبومازن على خطوة بحجم تحدي الولايات المتحدة، ويغامر بالذهاب الى الجمعية العامة للأمم المتحدة طالبا تمثيلا مشابهاً لوضع دولة البابا «الفاتيكان» التي لا تصوت وانما بمقدورها الانضمام الى مختلف المنظمات التابعة للأمم المتحدة؟
اذا خسر أبو مازن دعم الولايات المتحدة، فسيبدد القوة المؤثرة التي تأتي بالجانب الاسرائيلي الى المفاوضات المباشرة التي يريدها أبومازن وفق شروط لن يقبلها النظام الحالي في اسرائيل الذي يرتاح لهذه الشروط ويجد فيها فرصة يستغلها للاستيطان.
وأعتقد ان أبومازن ارتكب خطأ استراتيجيا بربط استئناف المفاوضات بشروط لن تتوافر عندما أصر على وقف الاستيطان قبل المفاوضات، مما أتاح للمستوطن ان يعبث ويستقوي ويترسخ حضوره كواقع ليس من السهل ازالته.
وفوق الخطأ الاستراتيجي يرتكب أبو مازن خطأ تكتيكيا في الذهاب الى الأمم المتحدة وهو على وعي تام بالثمن الفادح الذي ستدفعه قضيته دون مردود ايجابي سيحصل عليه حتى اذا ماوافقت الجمعية العامة على اعطائه وضع الفاتيكان، فلن يتبدل الوضع على الأرض، ولن يخرج أحد من المستوطنين ولن تزال مستوطنة واحدة، بل العكس ستأتي لائحة قادمة من المستعمرات كعقاب من حكومة نتنياهو، وستضيع الحيلة من يدي أبومازن الذي سيزداد احباطا وستدر عليه المأساة حصيلة أخرى من دموع اليأس، وسيبقى الشعب الفلسطيني مشردا ومحتارا وضائعا.
الشعب الفلسطيني ليس من الشعوب المحظوظة، وقد ابتلي دائما بقيادات تتعارك وتتنافس وتزايد على بعضها منذ ثورته الكبرى في 1936، صراع النشاشيبي وآل الحسيني ثم الحاج أمين، ومشاكل حماس والمنظمات مع سورية وأخرى مع ايران والباقي جلس منتظرا الغيث من السماء.
وسوء حظه أيضا ان رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي وقع اتفاق أوسلو سقط ضحية التطرف الصهيوني، وجاءت بعد ذلك سلسلة من الاخفاقات، لم تخلق الأمل الذي راود قيادة المنظمة عندما تبنت أسلوب السادات في الاتفاق المنفرد متوقعة ان تتطور صيغة أوسلو نحو اكتمال الدولة الفلسطينية، ومعتمدة على اقتناع في حق الشعب الفلسطيني ان يقرر مصيره بنفسه دون تدخل من أحد سواء سورية أو غيرها من العرب، وهي الوصفة الساداتية لكنها لم تنجح في فلسطين لأخطاء من الطرفين، لاسيما بعد انفجار الانتفاضة الثانية ومجيء اليمين المتطرف.
ويعود الآن أبومازن الى مايسميه الحضن العربي، ناشدا الغطاء الذي يحميه من ثورات الرافضين، لكن ذلك له ثمن حيث يسمح للأطراف العربية ان تشارك في القرار الفلسطيني في مزايدات ومعارضات ومواجهات ستكلف الشعب الفلسطيني الكثير.
ولا أشك بأن القيادة الفلسطينية على ادراك كامل بأن الفشل سيزيد من يأس الشعب وسيأتي بتراكمات الاحباط قد تدفعه الى تمرد وعصيان ضد قيادته وضد المستعمرين، يتصاعد فيها العنف والمواجهات والتخريب والمزيد من الدماء وتقهقر في مكانة القضية.
ففي الوضع الحاضر تشهد عدة دول عربية طوفان التغيير في ثورة الحرية والكرامة والديموقراطية وجهود تبذل لوضع أساسات لأنظمة فيها أحزاب وتداول للسلطة ودساتير أهم شيء فيها الهم الداخلي لكل بلد، والاستجابة لطموح الشعوب في المعيشة والتعليم وضمان المستقبل، ومن يقرأ أدبيات ثورات الديموقراطية العربية يقف على تأكيدها على الهم المحلي، بلا شعارات خادعة وبلا أيديولوجيات خرافية ولا قناعات توسعية، مع تصاعد الحس الوطني لهذه الشعوب وابتعادها عن القضايا الاقليمية، مع الالتزام بالاعتدال السياسي وبالتحسين الاقتصادي والبحث عن استثمارات ومساعدات ومشاركات، فلا تأتي القضية الفلسطينية في مكان خاص في أجندة هذه الثورات، ولن يثور أحد في هذه الدول من أجل اخفاقات الأمم المتحدة أو من توتر ناجم عن صراع المستوطنين مع أهل الأرض.
ويبدو ان الوضع في سورية سيلحق بما تحقق في مصر وليبيا وتونس وآخرين قادمين مثل اليمن والسودان، ومع التغيير في سورية ستتفتح الأبواب الموصدة والجامدة وستنبعث من أرض الشام مشاعر قوية نحو الاعتدال والتنمية والانفتاح مع دفن لكل تراث أسسه البعث، ونزعة نحو استقطاب ثروات الشعب السوري بكل طوائفه ليسيطر عليه حكم الاعتدال وحكم العلاقات الحسنة، والتركيز على البناء والتشييد، وسيبدأ دبلوماسية وطنية لاسترجاع أراضيه المحتلة مع اقتباس صيغة السادات في المفاوضات الثنائية المباشرة وصولا الى حل مقبول، وستخرج من سورية المنظمات الفلسطينية التي سخرها النظام السوري لخدمة أغراضه.
وماذا يفعل أبومازن في هذه البيئة المتغيرة؟ يقول أبومازن وفق ما جاء في صحيفة الشرق الأوسط يوم الأحد 28 أغسطس الماضي [الذهاب الى الأمم المتحدة يدعم خيار المفاوضات وأيا كانت النتيجة في سبتمبر سنعود الى المفاوضات]
بعد ان يتكهرب الجو مع البيت الأبيض، وبعد اخفاقات اللجوء الى الأمم المتحدة، والتشكيك في صلابة قيادة أبومازن، ليس من السهل العودة الى المفاوضات بالصيغة التي يتمناها أبومازن، فالوضع سيتبدل مع المنكافات التي ستشهدها نيويورك.
وهنا لابد ان يدرس أبومازن، قبل فوات الأوان، ان كانت مصلحة قضيته الذهاب الى الأمم المتحدة والمواجهة مع الولايات المتحدة مع استعراض ثمن هذا النهج، آخذا في حساباته واقع المنطقة وتبدلاتها والتحولات التي طغت على كل قضاياها، بما فيها قضية فلسطين، وموقعها في سلم الأولويات، ولابد ان يصل الى قناعة بأنه وحده سيتحمل القرار ووحده سيعيش مع نتائجه، سواء حسنة أو سيئة، وأن يقتنع أبو مازن بأن حل قضية فلسطين يستدعي شجاعة وحزم وقدرة على اتخاذ القرار التاريخي المجحف الذي يرسم مستقبل القضية وخريطة المنطقة، وأن ذلك يحتاج الى ذراع متين مقنع ومستعد للتعامل مع المعارضين والناقدين والحاقدين، وعليه ان يقرأ شيئا من مسيرة السادات ومعاناته بعد توقيع الاتفاق مع اسرائيل، وأن يدرك أبومازن بأنه لن يحقق العدالة في قضيته وانما عليه التقليل من مساحة الظلم.
شيء مؤلم ان يضع التاريخ أبومازن، بكل نزاهته وبساطته، في موقع الحسم، أمامه اختياران الالتقاء مع أصحاب القوة والنفوذ في أمريكا وأوروبا وتأجيل الأمم المتحدة، أو الفراق عائدا الى شاطئ البحر الميت ليزيد ذلك البحر الثقيل اضافات مؤلمة من أحزان التاريخ.