أقلامهم

النائب حسن جوهر يستغرب بشدة من “النيو لوك” الذي ترتيديه القوى الإستعمارية تارة بالأم الحنون وتارة بالشرطي المهاب

استعمار نيو لوك !
د. حسن عبدالله جوهر
 
من سخريات القدر أن تتصدى القوى الكبرى اليوم لنصرة الشعوب العربية ضد طواغيتها، بل تنجح في ذلك لتتحول إلى الأم الحنون تارة وإلى الشرطي المهاب تارة أخرى؛ لتعيد بذلك عصر وذكريات الاستعمار بثوب جديد وبنظرة متجددة من قاموس العولمة New Look!
ومن يراجع تاريخ المنطقة العربية حتى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتغلغل القوى الاستعمارية لا سيما الأوروبية فيها، لا يجد فيها سوى آثار النهب المنظم للثروات ونماذج الحكومات العسكرية القائمة على البطش والاعتقال والتعذيب، ولم تترك تلك الدول العديد من الأراضي العربية إلا تحت وطأة الثورات الشعبية التي حصدت أرواح مئات الآلاف من البشر ووحدها الجزائر قدمت مليون شهيداً من أجل الاستقلال.
والغريب أن فرنسا وإيطاليا وهما من أشرس القوى الاستعمارية وأكثرها دموية وفتكاً هما اللتان تقودان حملة إنقاذ الشعوب العربية وعلى وجه التحديد في ليبيا وسورية في محاولة مشابهة للتجربة الأميركية في تحرير أفغانستان والعراق، ولكن بحرفية أكبر واستخدام العقل والقانون الدولي والإعلام بدلاً من استعراض القوة والعضلات، أو بالقليل منها فقط وبحسب الحاجة.
وسطوع النجم الأوروبي بالتأكيد هو جزء من الحراك الدولي غير المستقر منذ انهيار الإمبراطورية الشيوعية وإعادة هيكلية النظام العالمي الجديد، وتحديد مقومات القوة، خصوصاً الاقتصادية والسياسية في ظلها، إضافة إلى الفراغ الكبير في المنطقة العربية بعد سقوط نظام حسني مبارك وانفراط الخارطة الإقليمية التي تحتاج إلى إعادة ترتيب.
والمشكلة ليست في تحرك القوى الغربية أو الدول الأوروبية المستأسدة حديثاً بعدما فقدت الكثير من هيبتها إبان الحرب الباردة، ومثل هذا التحرك أمر طبيعي يخضع لمقومات القوة واستغلال الظروف للاستفادة منها، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن فينا نحن، وفي منطقتنا وفي ثقافتنا التي ظلت “تطنطن وتولول” على الاستعمار وأيامه السوداء، وحولت هذا المفهوم إلى شماعة و”بعبع” لتكريس نماذج الحكم الدكتاتوري ونهب ثروات الشعوب وتقسيم الكعكة بين الأبناء والأصهار والمقربين من الفاسدين، وتحولت الكثير من البلاد العربية إلى سجون عامة، ولم يحرم مواطنوها من المشاركة في القرار أو تحديد مصيرهم، بل كتب لهم العيش في أبشع صور الفقر والحرمان، وبينما العالم من أقصاه إلى أدناه شهد خلال نصف القرن الماضي صوراً ونماذج من التجارب السياسية وتداول السلطة وتبدل القيادات نجد أن أحث زعيم عربي متمترس على كرسي الحكم بالصمغ المجنون (Crazy Glue) منذ أربعين سنة كان الكفيل بعزله هو عزرائيل قبل أن تتحول الشعوب مع مطلع عام 2011 إلى عامل جديد للعزل.
وبحسب المنطق والتجربة والمقارنة يبدو أن ثمة تشابها كبيرا بين مفهومي الاستعمار المحلي والاستعمار الأجنبي، والشعوب العربية تحديداً شهدت النوعين، وها هي تختار من جديد النموذج الأجنبي لأنه على الأقل بات يخضع للرقابة والشفافية أكثر من النموذج المحلي الذي أصابه العفن حتى النخاع.