أقلامهم

محمد العوضي يتحدث عن الرسائل القاسية التي تنهال عليه من متابعيه

رسائل قتلتني
محمد العوضي



اعتذر عن ازعاجك برسالة المعايدة التي لا يطيب لأحد قراءتها فضلا عن التكلف في استبطان معناها، والاعتذار موصول بهذه الرسالة الاخيرة: لم ارد على اتصالك عمدا وأعلم أنك تعلم بأنني تعمدت عدم الرد…
لو أنني وقفت متسولا في احد المساجد لما صعبت عليّ نفسي لأني انا من وضعتَ نفسي في هذا الموقف وتلبست فعل التسول فحق عليّ صفة المتسول!
ولكن لست أرضى أن يعاملني أحد معاملة (المتسول المتوسل بتسوله)، معاملة انيقة ناظرا إلى ظروفي متجاهلا وجودي وعقلي وشخصي كشغوف للمعرفة طالب لها، ساع وراءها – ظنا منه انني غافل عن حقيقة هذه!!!
لئن تموت أمي جوعا ومرضا ونطرد من بيتنا لهو اشرف إلى نفسي من أن اموت كمدا من امتهان تلك المعاملة… وانتقاص تلك النظرة…
(وكل عام وأنت بخير)
هذه من أقسى الرسائل الوجدانية التي كتبت بحبر النفوس على قراطيس الهموم…
لكن مشكلة صاحب الرسالة الصادقة المدروسة من انتقاء كلماتها وحسن سبكها أنه بناها على وهم كبير فانهار بنيان الفكرة وتتابعت الظنون الخاطئة في التساقط…
من العبارات الدقيقة التي أحفظها ايام دراسة المنطق جملة من كتاب «أوضح النجوم في شرح سُلمْ العلوم» تقول: «ولولادفعُ العقلِ حُكمَ الوَهْمِ لظَلَ الالِتباسُ دائما»….
وما كنت اظن صاحبي ان كان أسير حكم الوهم هذه المدة…
أيها القراء الكرام… هدف مقالي هو التنبيه إلى اهمية تعزيز واحياء خُلُقْ التماس الاعذار للاخرين… او على الاقل عُذْر من نثق بهم وتربطنا معهم أخوة…
وأنا شخصيا – وآسف ان اتكلم عن نفسي – لأني بحق متورط إلى أقصى حد، تخيل عندما يكون عندك أكثر من (200.000) مئتي ألف متابع من «تويتر» وعلاقات واسعة بناها أو فرضت عليه على مدى 16 عاما من الاعلام المرئي والمسموع والمقروء والنشاط الثقافي الاجتماعي.
حتى الحكمة القائلة «من فضل الله عليك حاجة الناس اليك»… قلبت معناها فقلت في نفسي: «من ابتلاء الله لك سوء ظن الناس فيك».
كيف يوفق الانسان بين واجباته الهائلة وعلاقاته التي لا حدود لها، وظروفه الشخصية والطوارئ في حياته واستجابة الاف الطلبات والرجاءات… يا ناس الانسان طاقة محدودة وينتابه الضعف وله مزاج، فارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء…
عندي في رسائل الهاتف عشرات الامثلة من الرسائل القاسية وأحيانا المؤذية، احتسبها عند ربي…
فلنتعلم خلق حسن الظن وعذر أحبابنا، والان سأنطلق إلى الصحراء لأقرأ كتاب (حسراتْ الكرام)… وان كنتُ لست منهم، وفي الكتاب سأل عبدالملك بن مروان ابو الريان عن همومه وشكواه، فقال: يا أمير المؤمنين: «نسألُ ما لا نقْدرُ عليه، ونَعتَذر فلا نُعذر»… واخيرا سامح الله الجميع.

Copy link