أقلامهم

نادين البدير:في البلد الذي يسوده حكم ديني الطابع، نضطر كمواطنين لتحمل ممارسات (جهاز حكومي) ينتشر أفراده بصورة إرهابية مطابقة للشرطة الدينية السوداء

نادين البدير 
ميليشيا الشرطة الدينية… قريباً
اسمه الشيخ أحمد قاسم الغامدي، مهنته مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة (سابقا). استضفته في برنامجي لمناقشة ممارسات أفراد الهيئة بالشوارع السعودية.
لم تتحمل فئات دينية ظهور أحد رموزها للمرة الأولى بتاريخها على طاولة واحدة مع امرأة غير محجبة أو كما وصفوني (سافرة متبرجة)… الصحافة اعتبرت الأمر سبقاً صحافياً، فانهالت عليه الحوارات من جهة ومن جهة أخرى انتقادات المتطرفين.. وتحول الحدث العادي لحديث المواقع والشبكات.
أسئلة الصحافة لي متداولة لكنها محزنة بعصر الحرية.
– هل صافحك الشيخ؟
– وهل أنا نجسة كي لا يصافحني؟
– ما آلية الاتصال به؟ كيف وافق على الظهور مع أنثى؟
– وهل دعوته إلى ملهى ليلي؟
سبب شهرة الشيخ الغامدي كان حكمه بجواز الاختلاط وممانعته لما يفعل رجال الحسبة أو (الهيئة) من ارغام المواطنين على أداء الواجبات الدينية، النتيجة الطبيعية كانت فصله من جهاز الهيئة، وتحول اسمه لأشهر الأسماء السعودية خاصة أن آراءه المنفتحة ليست نابعة من ليبرالي إنما من شيخ يتبع المؤسسة الدينية.
تساءلت إن كانت الحرية ستتحقق أخيراً من داخل التيار الديني؟ إسلام بروتستانتي مثلاً؟
وهل يبدأ عهد التنوير بثورة من داخل الفكر الديني؟
في البلد الذي يسوده حكم ديني الطابع، نضطر كمواطنين لتحمل ممارسات (جهاز حكومي) ينتشر أفراده بصورة إرهابية مطابقة للشرطة الدينية السوداء التي انتشرت بأفغانستان زمن طالبان، تلك الصورة المعتمة كانت مقتبسة بالطبع من جهاز الهيئة السعودي. نضطر لتحمل صراخ هؤلاء الملتحين ولعناتهم وإهاناتهم للمواطن بشوارع وطنه.
غطي وجهك… أقم الصلاة..أغلق المحل وقت الآذان.. غطي شعرك..ضعي عباءتك على رأسك.
هجوم مباح وبسلطة رسمية على أي مكان وأي بيت وأي شارع وسيارة.
يتحول الهجوم لضربات، طعنات بالسكاكين، لجرائم قتل… كلها منجزات حققها رجال الهيئة في الفترة الأخيرة بحق أفراد المجتمع الذين تجاوزوا أو لم يتجاوزوا الأعراف وقوانين رجال الدين.
رجال يحومون بسيارات الجيمس ومعهم عناصر شرطة مسلحة، من حقهم إيقافك وزوجتك لطلب إثبات القرابة، إن لم يظهر الاثبات اعتبروها عشيقتك المحرمة وراحوا يوسعونكما ضرباً ثم يسحلونكما لمركز الهيئة لإمضاء ليلة أو أكثر بالسجن مع الركلات والإهانات لحين تبيان الحقيقة. وإن كان حظك عاثرا فستتهم بالخلوة غير الشرعية (حتى لو تم ضبطكما بمكان عام ) ويكون عقابكما الجلد في الساحة العامة
النوايا السيئة هي عرفهم، وأي اجتماع بين رجل وسيدة هو بالضرورة عقد كتبه الشيطان.
قيودهم عتيدة، ورقابتهم فاقت وتفوقت على رقابة المباحث والاستخبارات
تربصوا للمكتبات كأنها دور دعارة، حجموا الفكر، عاملوا المثقفين كتجار المخدرات، منعوا السينما، منعوا الفن، أحرقوا ملايين الصور والأشرطة والكتب وورود الحب الحمراء، سيطروا بالكامل على جهاز التعليم ومناهج التدريس التي ولدت الإرهاب، تحكموا بالتلفاز وجميع وسائل الإعلام، حددوا زي المواطنات الرسمي وتُعاقب مَنّ تخالفه وآخر صيحاتهم مصادرة آلاف العباءات الملونة من محلات البيع لأنها ليست سوداء قاتمة. فصلوا النساء عن الرجال بشناعة حتى تولدت الكراهية بين الجنسين فكل يظن الآخر سببا لدخول جهنم.
سيطروا على كل محاضرة، حرموا الأندية الرياضية النسائية، باختصار خنقوا الحياة خنقاً ووأدوا النساء. صحيح أن نساء السعودية لسن كالسابق، لسن كلهن خانعات. فقد تصرخ السيدة على رجل الهيئة كصراخه لتخبره أنها حرة. لكن الأمر عندها قد ينتهي بشكل مؤسف، فإما أن يضربوها حتى ينزعوا عباءتها أو يقتادوها لمركز الهيئة فيأتي ولي أمرها ويسجل تعهدا بعدم تكرار خطيئتها.
جميع المنابر هبة حكومية للإسلاميين، فيما الليبراليون وبقية المواطنين ممنوعون من إلقاء كلمة. الندوات الدعوية على أوجها، وحشو للأدمغة، إهمال واضح للقرآن… وتركيز على كل ما نقل عن فلان وعلان.
من يؤيد هذه الحياة؟ من سيصوت بصناديق الاقتراع العربية لهذا المستقبل؟
صحيح أنه تحسب لهم جرأتهم السياسية ومطالباتهم بالتحرر السياسي، لكنها جرأة هدفها التحكم بالحكم دون إيمان بحريات الأفراد. لا يؤمنون إلا بأنفسهم
قد ينتقدوا المسؤولين دون خشية. هم لا يجاملون، لا ينافقون، لا يطبلون. لكنهم غير ودودين، واستباحة الدماء أسهل كلمة تنطق بها ألسنتهم.
إنهاء الاستبداد الديني المحيط بالأماكن والأرواح حلم يرهقنا، فيما آخرون ثاروا على أنظمة حكم عربية ليصوتوا لتيارات دينية لا يعرف مرارتها سوانا… نظرة عابرة على حياتنا المكبلة بالمحرمات وقراءة سطحية للسقوط الطالباني بأفغانستان ورؤية حيادية لما يحدث بإيران تكفي لمعرفة الخطأ الفادح بتأسيس دولة تقوم على أسس دينية.
مخيفة هي التنبؤات المطروحة بمصر، ليس للمصريين بل لنا نحن العرب جميعاً. نحن الذين تحمسنا وحلمنا بأن ثورة مصر ستعتقنا، فإذا بالانتكاسة تمر من أرض مصر لتهدد باحتمال نهاية أي حلم عربي بنهضة أو حضارة.
كل شيء يبدأ وينتهي هنا.
ظننا أن تحرر المصريين يعني عودة عصر التنوير القديم، لكن يبدو أن عصر التنويم هو الذي سيسود مستقبلاً.
وحلمنا أن الثورات العربية ستحررنا.. لكن يبدو أنها بحاجة لمن يحررها.
وبدلاً من أن تدعم نضالنا للحرية نجدها ستعيد مجتمعاتها إلى حيث بدأنا نحن. إلى السعودية 1979.
إن تم تطبيق هتافات الجهل التي غزت شوارع الثورات، من يدري، فقد تستعير تلك الثورات دساتيرها المستقبلية من قوانين جهاز الحسبة أو الشرطة الدينية الملقبة بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
نسيت أمراً أود أن تعرفوه: رجال الحسبة لا يُحاسَبون… أبداً

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق