أقلامهم مقال ساخن

الجاسم محذراً السلطة من نفوذ الخرافي : حين يقع النزاع بين القبيلة والسلطة.. لن تنفعكم “بصمة جاسم” ولا القوات الخاصة!

محمد عبد القادر الجاسم
عهد “جاسم الكبير”!
يتمتع رئيس مجلس الأمة السيد جاسم الخرافي بسلطات فعلية أكبر بكثير من سلطاته اللائحية، فهو الذي يقبض على زمام السلطة الفعلية في البلاد لا الحكومة، وهو صاحب التأثير الأكبر، وما يريده يتحقق.. إن نفوذ جاسم الخرافي وتحكمه في القرار يفوق نفوذ أي سياسي في البلاد. لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن جاسم الخرافي الآن هو “الآمر الناهي”، فحتى ناصر المحمد لم ينجح في الاحتفاظ بمنصبه إلا حين تحالف مع جاسم الخرافي، لذلك جاز لنا أن نصف العهد الحالي بعهد “جاسم الكبير”، أو عهد “بصمة جاسم”.
وأيا كان رأينا فيما يحدث اليوم في “عهد جاسم الكبير”، وبصرف النظر عن نتائجه الفورية، السلبية والإيجابية، فإنه حتما يؤسس لواقع جديد بين ذرية مبارك الصباح والشعب الكويتي وهو واقع يتعين على سمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد معالجته حين تؤول إليه إمارة الدولة. إن النتائح النهائية للأخطاء الاستراتيجية الفادحة التي ترتكب اليوم، لن تظهر على الفور، وليس من السهل الآن تقدير حجم الأضرار التي أتوقع أن تصيب الكويت بسببها، بما في ذلك تغيير المسار الطيب المتوارث للعلاقة بين أسرة آل صباح والشعب الكويتي.. إن الأحداث تدار من جانب السلطة بلا بعد نظر سياسي، والكويت تغرق في بحر خصومات شخصية يغذيها أطراف في السلطة.
ولعله من قبيل قصر النظر، بل والغباء السياسي، أن ينحصر تفكيرنا ونقاشنا وتصرفنا أيضا حيال الأحداث الجارية في البلاد في حدود تأثيرها الآني، كما أنه من الخطأ أن نبحث الأحداث في إطار الفعل وردة الفعل. ففي العمل السياسي تتوالى الأحداث وتتابع، فإذا كان دخول الجمهور مبنى مجلس الأمة خطأ، فإن هناك أخطاء أخرى أكثر أهمية استدرجته.. لقد كنت حاضرا في ساحة الإرادة برفقة زوجتي، ورأيت قوات الشرطة وهي تهاجم الجمهور بلا سبب وتضرب الشباب وتسقطهم أرضا.. ولو لم يتجه الشباب صوب مجلس الأمة لحدثت مواجهات دامية ولوقع ضحايا ولسال الدم. إنه من قبيل الضحالة الفكرية أن تختزل الاحتجاجات الشعبية في واقعة دخول الشباب والنواب مبنى مجلس الأمة، وإنها لكارثة حقيقية أن “يشتط” رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي ويذهب شخصيا إلى المخفر لتسجيل قضية، وأنها لكارثة أن تتم إعادة صياغة الحدث على أسس عنصرية، وأنه لغباء اتهام السعودية بأنها تقف وراء أحداث الأربعاء. إن الدخول إلى مبنى مجلس الأمة نتيجة طبيعية متوقعة من جمهور غاضب، فحين يختل التوازن ويسود الاستفزاز يبرز الغضب وروح التحدي.
ومن خلال المعلومات المتاحة، يبدو أن القرار كان يتجه صوب تقديم الحكومة كتابا إلى صاحب السمو أمير البلاد تطلب فيه حل مجلس الأمة، إلا أن جاسم الخرافي نجح في تغيير المسار، وتم طرح “الخيار الأمني” كبديل عن حل مجلس الأمة، بذريعة ساقطة مفادها أن الذين يتظاهرون هم “شوية بدو يقودهم مسلم البراك”، وأن حبس أكبر عدد منهم مع إحالة النائب مسلم البراك إلى أمن الدولة وحبسه والعمل على إسقاط عضويته من المجلس، والتهديد باستخدام القوة لمواجهة الاجتماعات القادمة، سوف يؤدي كل ذلك إلى إنهاء الحركة الاحتجاجية.
ومع الأسف، تغفل السلطة أن تبني الخيار الأمني وتشييد أركان الدولة البوليسية لا يمكن أن ينجح في الكويت، لاسيما أنني ألمس روح التحدي والإصرار لدى الشباب، وسوف يتم خلال هذا الأسابيع القادمة “اختبار” الخيار الأمني، وسوف تدرك السلطة أنه لا فائدة من “حلول جاسم”. إن لتحدي سلطة الدولة لدى الشباب عموما نكهة خاصة، وهذا ما تثبته الحركات الاحتجاجية في الدول الأخرى، وشباب الكويت لا يختلف عن غيره، ففي يوم الأربعاء الماضي وصل بعض الشباب إلى مرحلة الاستعداد لتلقي الضربات بصدور عارية، لذلك لا أستبعد إطلاقا وقوع مواجهات دامية مهما بلغت قسوة الإجراءات الأمنية، بل أن عنف الشباب قد يبرز كلما ازداد تعسف السلطة.
وعلى الرغم من اهتمام الرأي العام بواقعة دخول الجمهور مبنى مجلس الأمة، فإنني أرى أن ما يستحق الاهتمام من أحداث الأربعاء هو ما قاله كل من النائب عبدالرحمن العنجري والنائب مسلم البراك، فقد ارتفع سقف الخطاب على نحو غير مسبوق، فتوجيه الخطاب إلى الأمير مباشرة وإلى ذرية مبارك الصباح في ساحة عامة هو نتيجة منطقية متوقعة لإقحام الأسرة الحاكمة في الخصومات الشخصية. إن الخصومة يجب أن تبقى سياسية صرفة، كما يجب أن تبقى بين حكومة ونواب.. حكومة وقوى سياسية، لا بين “الشيوخ” و”الشعب”! 
على العموم، لا أستطيع إنهاء المقال من دون القيام بما أراه واجب وطني وهو التنبيه إلى خطورة مخطط حبس النائب مسلم البراك، وخطورة مخطط استعداء أبناء القبائل عموما.. فما حدث يوم الأربعاء كان حركة احتجاج شعبية شارك فيها أفراد من الشعب الكويتي.. حدث وطني شارك فيه شباب الكويت بكل انتماءاتهم الاجتماعية، والحذر كل الحذر من استمرار الضغط على أبناء القبائل واستدراج النزاع الفئوي، فحين يقع النزاع بين القبيلة والسلطة.. لن تنفعكم “بصمة جاسم” ولا القوات الخاصة!
Copy link