أقلامهم

أحمد الديين وأفة الفردية في الحق الدستوري …الوسمي ليس الأول ولن يكون الأخير..!

الوسمي ليس الأول ولن يكون الأخير..!

 أحمد الديين 
 
بغض النظر عن مبررات الاستجواب الذي أعلن النائب الدكتور عبيد الوسمي عزمه على توجيهه إلى رئيس مجلس الوزراء، وكذلك أيًّا كانت الأسباب التي دفعته إلى الإعلان عن تأجيله، فإنّ ما حدث يقدّم مثالا ملموسا على الطابع الفردي الذي ابتليت به الممارسة البرلمانية في الكويت… إذ يكفي أن يوجّه نائب واحد استجوابا جدّيّا أو غير ذي معنى إلى رئيس مجلس الوزراء أو أحد الوزراء، فهذا حقّه الدستوري!
وبالطبع لم يكن الدكتور عبيد النائب الأول ولن يكون النائب الأخير الذي يعلن أو يمارس حقّه الدستوري منفردا ثم يتخذ قراره الفردي بالتراجع عنه أو المضي قدما في تقديمه، حيث يحفل تاريخ الحياة البرلمانية الكويتية بالعديد من الشواهد على تلويحات مماثلة بالاستجواب أعلن عنها هذا النائب أو ذاك منفردا، كما أنّ هناك العديد من الاستجوابات التي انفرد أحد النواب بتوجيهها بالفعل إلى رئيس مجلس الوزراء أو أحد الوزراء؛ وتلك التي تمّ التراجع عنها بقرار فردي بعد تقديمها، وذلك كله من دون أن يتشاور هذا النائب الفرد أو غيره في قراراته مع زملائه النواب الآخرين أو ينسق معهم، فليس هناك ما يفرض عليه ذلك!
لقد ابتلي العمل البرلماني في الكويت بآفة الفردية، بدءا من قرار الترشيح في الانتخابات الذي يتخذه المرشح منفردا، مرورا بالنشاط الانتخابي الذي يتركز حول شخص المرشح وكفاءته ومواقفه أو خدماته وعلاقاته، وصولا إلى المعايير الفردية في تصويت الناخبين لهذا المرشح أو غيره، وانتهاء بالممارسة البرلمانية ذات الطابع الفردي لمعظم النواب في المجلس الحالي والمجالس السابقة، وذلك كله نتاج طبيعي لغياب التنظيم الحزبي المؤسسي للعمل السياسي وللنظام الانتخابي الفردي المعمول به.
ولا تقتصر سلبية الطابع الفردي للممارسة البرلمانية على الانفراد في قرار ممارسة حقّ الاستجواب، وإنما تمتد إلى التسابق بين النواب الأفراد على تقديم اقتراحات بقوانين غير مدروسة، وتكرار توجيه أسئلة نيابية متشابهة، والأسوأ من ذلك، سهولة انتقال هذا النائب الفرد أو بالأحرى قفزه من موقف إلى آخر فجأة ومن دون سابق إنذار، فكم من نائب كان يوما في صفوف المعارضة انتقل إلى مواقع الموالاة، وذلك في دور الانعقاد البرلماني ذاته وفي ظل الحكومة ذاتها التي كان يعارضها بالأمس، وفي المقابل هناك نواب، وإن كانوا قلائل، سبق لهم أن انتقلوا من مواقع الموالاة إلى صفوف المعارضة بدوافع فردية بحتة، وغير ذلك من ممارسات قاصرة ومنفلتة لا يمكن تصوّر حدوثها في ظل وجود حياة حزبية منظمة.
ومن الواضح أنّ السلطة منذ الأيام الأولى للعهد الدستوري كانت ولا تزال هي العائق الأول أمام تنظيم الحياة السياسية وإصلاح العملية الانتخابية وتطوير الممارسة البرلمانية برفضها الثابت لإشهار الأحزاب السياسية وتغيير النظام الانتخابي بالانتقال من النظام الأكثري الفردي البائس إلى نظام القوائم الانتخابية والتمثيل النسبي، وذلك حتى لا تفقد السلطة قدرتها على التدّخل بأشكال مختلفة في العملية الانتخابية؛ ولتضمن نجاحها في الحدّ من فاعلية العمل البرلماني؛ ولتحول دون تطوّر الحياة السياسية… فمن الأسهل للسلطة أن تواجه مرشحا معارضا منفردا بمرشحين أفراد موالين لها وممولين منها، وكذلك من الأيسر لها أن تتعامل مع النواب منفردين، بما في ذلك شراء البعض منهم مثلما حدث ويحدث، وهو ما لا يمكن حدوثه مع حزب سياسي بأكمله، وبذلك تستطيع السلطة أن تضع سقفا منخفضا للحياة السياسية يكتفي بالجزئيات وينحصر في التفاصيل ولا يصل إلى مستوى المطالبة الجدّيّة بالمشاركة الفعلية في القرار السياسي.
وإزاء هذا، فإنّ قيام حياة حزبية منظمة هو المدخل الأول والأهم للإصلاح السياسي، بما في ذلك إذا أردنا إصلاح النظام الانتخابي وتطوير الممارسة البرلمانية وتنظيمها… ومن دون حياة حزبية سليمة فستستمر فوضى العمل البرلماني الفردي، وسنواصل الدوران المرهق في الحلقة المفرغة ذاتها التي كنا ولا نزال ندور فيها منذ بداية العهد الدستوري!
Copy link