كتاب سبر

مدح وقدح

جميل جدّا أن تقول للمحسن أحسنت دون أن تبالغ بمدحه والثناء عليه ، وجميل أن تقول للمسيء أسأت دون أن تنال من شخصه وتصب جام غضبك فوق رأسه وتنعته بأقذع الألفاظ وأبشعها ، فالاعتدال مطلوب في كل الأحوال ، وأرانا أحوج ما نكون إليه في هذه الحالة ، لما يترتب على مثل هذه الأفعال من تأثير في نفس الممدوح والمقدوح ، فالإطراء والمديح المبالغ فيه قد يجعل من الشخص الممدوح شخصاً متكبراً لا يرى إلا نفسه ولا يعتدّ بجهود الآخرين من حوله فيرفع شعار “ما أريكم إلا ما أرى” وهذا الأمر مهلكة له ، والقدح المصاحب للألفاظ السيئة والمتضمن الطعن في شخص المقدوح والنيل منه ومن أسرته أو قبيلته ، وتجاوز ذلك إلى الطعن في نيته وتأويل كل عمل صالح قدمه فيما سبق إلى أنه حق أريد به باطل وعدم الاعتداد بكل ماقدم ويقدم وما سيقدم للآخرين ، كل ذلك يجعلنا نصنع إنسانا لا يعي ولا يسمع نصائح الآخرين مستقبلاً لأنه يراها حرباً موجهة ضده لا تريد له الخير بقدر ما تريد الثأر منه فيزداد في خطئه ويجمع الظلمات بعضها فوق بعض ويرفع شعار “أنا الغريق فما خوفي من البللِ” .

إن المتتبع لما شغلت به الساحة المحلية في الكويت من قضية استجواب الدكتور عبيد الوسمي الذي كان سيقدمه لرئيس مجلس الوزراء ، ليعلم حقّا مدى التخبط الذي نعيشه في إطلاقنا للأحكام على الآخرين وأننا نحكّم عاطفتنا أكثر مما نحكّم عقولنا وأننا نستعجل في إصدار الأحكام بناء على كلمة أو صورة أو حتى نظرة ! ، فالهجوم العنيف الذي طال الدكتور عبيد الوسمي بدءاً من لقطة مصافحته لنبيل الفضل والتي حمّلت أكثر مما تحتمل لدرجة أننا سمعنا من يقول بأن الأمور خلف الكواليس بخلاف ماهي عليه على خشبة المسرح ، وانتهاءً بقضية إعلانه عن تقديم استجواب لم يقدم أصلاً لكنه تسبب في شق صفوف المتتبعين إلى صنفين وثالث أقل عدداً من أن يذكر ، فقسم قاتل “مع” بكل ما أوتي من قوة ، وقسم قاتل “ضد” بكل ما أوتي من قوة أيضاً ، وقسم ثالث قليل عدد أفراده هم الذين انتبهوا إلى حجم الهوة بين من كان “مع” وبين من كان “ضد” ، وأن من كان “مع” اليوم لا يمانع بأن يكون في الغد “ضد” وبكل ما أوتي من قوة أيضاً ومن أجل موقف واحد قد يكون فهم على غير مراده ، والعكس بالعكس أيضاً ، وأكبر دليل على ذلك ردّات أفعال المتابعين للقاء الدكتور عبيد في قناة الرأي والذين كالوا له المديح رغم أنهم كادوا أن “يكفروه” سياسياً بعد عزمه تقديم الإستجواب أو بعد صورة مصافحته للفضل .

كما أن من المعيب أيضاً أن يتجاوز القدح الفاعل نفسه ليبلغ من أيده أو من عارضه على فعله ليسقط أيضاً بالكلية ، وما الحملة التي تعرض لها الإعلامي والكاتب محمد الوشيحي نتيجة انتقاده للدكتور عبيد ، إلا دليل واضح لما أردت أن أقوله .

ينبغي علينا أن ندرب أنفسنا على النقد بعقلانية فنمدح بتعقل ونقدح بتعقل مؤثرين مصلحة البلد على كل مصلحة ، ناوين صلاح الممدوح أو المقدوح لا فساده بإفراط في المدح أو القدح ، كما ينبغي علينا التروي عند إطلاق الأحكام على الآخرين فلسنا في مجال إلزام على إطلاق حكم على أحد ، ولنتذكر أن أكثر ما يكب الناس على وجوههم في جهنم حصائد الألسنة .

قبل الختام : أبارك لإخواني المعتقلين في قضية مظاهرات البدون وقضية الوطن ، على خروجهم بكفالة مالية ، كما أتوجه بالشكر الجزيل لكل من تبرع لتحصيل مبلغ الكفالات عن المعتقلين البدون الذين يقاتلون من أجل الحصول على قوت يومهم فضلا عن أن يستطيعوا توفير مثل هذا المبلغ ، وأخص بالشكر الدكتور عبيد الوسمي وفقه الله وجريدة سبر الإلكترونية على ما قدموه من تبرع .

 

منصور الغايب

Copy link