أقلامهم

عبدالله النيباري : الدرب طويل … والعلاج تكتنفه صعوبات


            وحدتنا الوطنية تتعرض للتصدع

تآلف مكونات المجتمع.. أو الانجراف إلى المستنقعات والخنادق

عبدالله محمد النيباري
عاشت الكويت في الأيام الماضية احتفالات احياء الذكرى الحادية والخمسين لاستقلالها، بانهاء اتفاقية الحماية البريطانية لعام 1889، والذكرى الحادية والعشرين لتحريرها من غزو واحتلال عراق صدام حسين، دكتاتور العراق، الذي كان يهدف الى ازالة الكويت من الخارطة وضمها الى العراق.
وكلتا المناسبتين ترمز الى خصوصية الكويت ككيان سياسي واجه تحديات لاستقلاله واكتساحه من قوى الجوار، ونجح هذا الكيان الصغير في المحافظة على استقلاله، وكان سلاحه الأساسي وحدته الوطنية وتلاحم مكوناته الاجتماعية في التصدي لما يهدده من مخاطر، وبفضل هذه الوحدة الوطنية تميزت الكويت بتطورها الاجتماعي والسياسي.

مشروع التعليم
فقد بدأ التطلع للتحديث باكراً في بداية القرن الماضي، ابتداء بارساء مشروع التعليم الرسمي الحديث، الذي احتفلنا أخيراً بمرور مائة عام على انشاء المدرسة المباركية، بداية انطلاقة النهضة التعليمية. وفي الجانب السياسي اتفاق الكويتيين مع الحاكم على تنظيم المشاركة الشعبية في الحكم، باقامة مجلس الشورى عام 1920.
وفي العقود التي تلت، مضت الكويت في ميدان التطور السياسي والاداري والاقتصادي والاجتماعي، قبل عصر النفط، بالاعتماد على القدرات الذاتية ومساهمة المجتمع في تحقيق ذلك التطور، وبعد اكتشاف النفط وتزايد كميات انتاجه تميزت الكويت بين دول الاقليم في استثمار عائداته بأساليب رشيدة وتوظيفها في تطوير البنية الأساسية، وتوفير الخدمات الاجتماعية، وبالأخص التعليم والصحة، والنهوض بالادارة العامة، واصدار القوانين المنظمة لحياة المجتمع، وما ان جاء موعد انهاء اتفاقية الحماية البريطانية عام 1889، حتى كانت الكويت جاهزة للانطلاق نحو مراحل أعلى في النهوض.
ادعاءات
على إثر ذلك، واجهت الكويت ادعاءات عبدالكريم قاسم، حاكم العراق آنذاك، بأن الكويت جزء من العراق، وآن لها أن تعود كواحدة من أقضية البصرة، وأصدر مرسوما بتعيين الشيخ عبدالله السالم قائم مقام هذا القضاء.
وتصدت الكويت لهذه الادعاءات بوحدتها الوطنية والتفاف الشعب حول قيادته السياسية، المتمثلة بالشيخ عبدالله السالم، الذي أرسل الوفود الشعبية الى الدول العربية، وعلى رأسها مصر بزعامة جمال عبدالناصر، لتوضيح الوضع والتشاور والحصول على تأييدهم بالاستعانة ببريطانيا لمواجهة أي عدوان محتمل، ثم احلال القوات العربية لحماية الكويت.
بعد ذلك، بادر الشيخ عبدالله السالم، وفاء لموقف الشعب وصموده والتفافه حوله، وأخذاً بنصائح الأصدقاء، بدفع حركة التقدم الى مرحلة أعلى، استجابة للمطالب الشعبية التي سادت عقد الخمسينات، وذلك باعلان اختيار مجلس تأسيسي منتخب، لوضع دستور ينظم الحياة السياسية والمشاركة الشعبية في ادارة شؤون البلاد. وبصدور ذلك الدستور في نوفمبر 1962 دشنت الكويت مرحلة النظام الدستوري الديموقراطي الأول في الجزيرة العربية والخليج.
منارة
ومنذ ذلك الحين، مثلت الكويت منارة التقدم السياسي والاجتماعي في المنطقة، تتطلع اليها أنظار أبناء الجزيرة والخليج بالاعتزاز والتفاؤل والآمال الكبيرة بأن تكون بؤرة الضوء التي ستنشر اشعاعها لبقية أجزاء الاقليم.
ومع ارتفاع عائدات النفط، تمكنت الكويت من توظيفها في تطوير الاقتصاد وتلبية احتياجات المجتمع بادارة حكومية خاضعة للرقابة الشعبية، من برلمان منتخب ومؤسسات مجتمع مدني وصحافة وطنية وتجمعات سياسية نشطة.
وعبر السنوات الخمسين الماضية واجهت الكويت تقلبات وانتكاسات طالت الحياة السياسية بتعليق الدستور وحل المجالس المنتخبة عام 1976، و1986 ومحاولة ادخال تعديلات على الدستور تقلص صلاحيات مجلس الأمة واستبداله بنموذج هجين، تمثل في ما سمي بالمجلس الوطني.

مواجهة
ومرة أخرى، جابه الشعب إجراءات السلطة، بوحدته الوطنية وصموده وتصديه لمحاولات السلطة العبث بالدستور.
هذا الدستور الذي أصبح اليوم أقدم دستور في البلاد العربية بقي صامدا لم تطله ولم تمسّه يد العبث والتقليص لصلاحيات المجلس المنتخب. وهو إنجاز رائع ومبعث فخر واعتزار لشعب الكويت، بالمقارنة مع ما حدث من تقلبات وانقلابات وانتكاسات وسيادة دكتاتوريات فاسدة، تحكمت في مصائر بلدان الأمة العربية.

إنجازات
وعندما غزا صدام حسين الكويت في الثاني من أغسطس 1990، كان سلاحنا الأساس هو نظامنا الدستوري، وذخيرتنا هي وحدتنا الوطنية التي أكسبتنا وقوف المجتمع الدولي، تأييداً لقضيتنا وإنقاذاً لبلدنا واستعادة لاستقلالنا.
هذه الأحداث التي مر بها بلدنا في الخمسين سنة الماضية ونحن نحتفل بأعيادنا الوطنية، حري بنا أن نتوقف ونتأمل فيها، لنتبين مواضع القوة والضعف في مسيرتنا خلال هذه المدة. لاشك أنه كانت هنالك إنجازات كبيرة لا يستطيع أحد إنكارها، ولكن أيضا كانت هنالك إخفاقات كثيرة حالت دون تحقيق الحد الأدنى مما كان ممكنا، فنحن نشكو اليوم من القصور في مجالات كثيرة وبروز اختلالات خطيرة وتشويهات في مسار التنمية.
ما زال اعتمادنا الرئيس على عائدات النفط، ولم نحقق نجاحات في تنمية موارد بديلة أو رافدة للنفط، بل ماضون في استنزافه.. هذا المورد الآيل للنضوب بمعدلات إنتاج مرتفعة، واعتماد اقتصادنا على الإنفاق العام الممول من دخل النفط في تزايد وقوانا العاملة مكدسة في القطاع العام بإنتاجية ضعيفة، وكل ذلك ضاعف نزعة الأخذ من الدولة من دون جهد، مقابل عقيدة المطالبة بالحقوق من دون الاستعداد لتقديم الواجب.
وضع مأزوم
وعلى الرغم من كل ما ينعم به المواطن الكويتي من وسائل الرعاية والرفاه والحماية القانونية، يبقى مستقبلنا محاطاً بالغموض. وشعور عام بأننا في وضع مأزوم. نحن نعيش في وضع محيّر مملوء بالتناقض، فكيف يكون هناك مجتمع يتوافر له كل هذا الثراء ويعج بالشكوى والخوف من المستقبل المجهول؟
الدرب طويل والعلاج تكتنفه صعوبات، أعظمها غياب الإدارة.
لكن في نظري، فإن ولوج طريق الإصلاح يبدأ بمعالجة الوحدة الوطنية، أو بالأحرى استعادة الوحدة الوطنية التي كانت سلاحنا وعزوتنا في مواجهة كل الصعاب وذخيرتنا في تحقيق كل الإنجازات.

انقسامات
الوحدة الوطنية في الكويت تتعرض للتصدّع.. هذا التصدع الذي برز مكشوفا في الانتخابات الأخيرة، التي رغم ما حققته من نجاحات لا تنكر، لكنها أيضا كانت على حساب تعميق الانقسامات الاجتماعية.
نحن مجتمع صغير، وعلى الرغم من ذلك، نواجه اختلالات في البنية الاجتماعية، وإفرازاتها تعيق تطورنا السياسي، الذي ينعكس بدوره سلبا على كيفية إدارتنا لشؤون بلدنا ومجتمعنا، ويولّد صراعات تعطّل مسار التقدم.
الكويت، ككل بلدان العالم، تحمل أعباء موروثة. وهنالك دول توصّلت إلى صيغ معالجة هذا الإرث، من خلال قبول الآخر والتسامح والتعايش المشترك واختراق الأسوار التي تبقي قوى المجتمع حبيسة ترسبات وأعباء ذلك الإرث.

المطلوب
مهمة تجاوز الانقسامات وعبور الأسوار والتخلي عن التحيزات ليست سهلة ويسيرة، وتحتاج إلى جهد وعناء وابتداع ثقافة تنعكس في مواقفنا وسلوك بعضنا تجاه بعض وتجاه الآخر. ولكن أمرا أساسيا يجب أن يبقى محط أنظارنا، وهو أنه ما لم يكن هنالك تآلف بين مكونات المجتمع الأساسية، من حضر وقبائل شيعة وسنّة، بمختلف أصولهم وجذورهم، فلن تكون هنالك نهضة ولا تقدم ولا مجتمع سعيد، بل ربما ننجرف إلى المستنقعات والخنادق التي نراها في العديد من بلدان الجوار والإقليم.
Copy link