كتاب سبر

الربيع العربي دروس في الجغرافيا

يقول المحلل العسكري والخبير الإستراتيجي التركي باش بوغ، رئيس أركان القوات المسلحة الأسبق، في أحد مؤلفاته الحربية ما معناه (إن الحرب تعلمنا الجغرافيا) .. وبالنظر إلى هذه العبارة الدقيقة والجميلة في ذات الوقت، سمحت لشياطين مُخيلتي البريئة، التحريف بها قليلاً، لأسلط أضواءها على أحداث ثورات الربيع العربي مُختبراً حقيقة وصحة مدى معناها .. فكما هو ثابتٌ ومعلومٌ للجميع، أننا سئِمنا جميعاً خلال العقود الماضية وخصوصاً في مرحلتي الدراسة المتوسطة والثانوية، تكرار تلك المناهج المملة والمتكررة في كل مرحلة لأسماء المدن والعواصم والصحاري والموانئ والأنهار والمسطحات والمضائق المائية العربية، لدرجة أننا لم نعد نحفظ شيئاً يذكر منها .. فـبالكاد كُنا نذكر أن تونس المدينة هي عاصمة الدولة تونس، وأن خط غرينتش يمر عبر جمهورية تُدعى الجزائر، وأن النيل نهر يمتد إلى السودان أيضاً، وأن دمشق هي أقدم عاصمة في التاريخ …. الخ !
ولكننا في حقيقة الأمر، بدأنا مع مشوار الربيع العربي في تعلم جغرافيا تونس، فعرفنا أزقتها وشوارعها، حيث انتشرت الثورة التي أطاحت بالرئيس (بن علي) في حواري سوسه وميادين سيدي بوزيد  وساحات زغوان وباجة وسليانة، ثم انتقلنا إلى مصر، فأدركنا مداخل ومخارج ميدان التحرير، والشوارع التي تتفرع منها القاهرة وتصب بها .. والقرى والحواضر الثائرة في خاصرة الكنانة وضواحيها، وبعد ذلك أخذنا الدروس في أسماء مدن وقرى وبوادي ليبيا، ومضارب عشائرها، وطبيعة صحاريها القاحلة، وكان ذلك تزامناً مع اشتهار مصطلح دوار اللولؤة في البحرين، والذي كان صداهُ مُدوياً على مسامع أمة الضاد من المحيط إلى الخليج، ولن أبالغ إذا ما قلت، أننا قد استقينا الكثير من المعلومات في الدروس الإنثربيولوجيه حول أسماء العشائر اليمنية، ومسميات زعمائها، وتوجهاتها السياسية والدينية والاجتماعية، والتقسيمات السكانية والأيديولوجية في سوريا، وتعداد أقباط مصر ومسلميها من السُنة والشيعة والصوفية .. بالمختصر أصبحنا فعلاً فطاحل في جغرافيا العالم العربي، وربما يأتي اليوم الذي نفهم فيه الدرس، ونصبح فطاحل في التاريخ أيضاً، لندرك أخيراً أن ما يُأخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة !
FaisaiBnOmer@
Copy link