كتاب سبر

الدستور الإخواني والدستور المصري

يوما بعد يوم تتزايد الانسحابات من اللجنة المزعومة لوضع دستور مصر، معظم الأحزاب الليبرالية انسحبت، حتى تلك التي تم اختيار عضو واحد منها لتمثيلها في البرلمان لم ترض بالتمثيلية التي يقوم ببطولتها الإخوان وانسحبوا. 
الجميع يرى الآن الحقيقة كاملة، الإخوان يريدون الاستئثار بوضع دستور البلاد، حتى يكون على مزاجهم، وحتى يكتبوا دستورا يضمن لهم البقاء في السلطة أكبر وقت ممكن، وربما إلى الأبد، ولذلك جاءت معظم اختياراتهم إخوانية تماما لتكشف حقيقة مخططهم. 
الدستور الإخواني يختلف تماما عن الدستور المصري الذي نريده، نحن نريد دستورا مدنيا لدولة مدنية، يضعها في المكانة الذي تستحقها، لكن الإخوان يريدون دستورا على مقاسهم، يحقق حلمهم بدولة الخلافة الإسلامية، ويزيد من قبضتهم على السلطة. 
المأساة ليست في الإخوان وحدهم، ولكن في أعضاء البرلمان الذين صمتوا على فضيحة اختيار لجنة الدستور، ولا أعرف حتى الآن لماذا يصمت أعضاء مجلس الشعب الذين اختارهم الشعب باعتبارهم نتاج ثورة 25 يناير على مهزلة وخيبة اللجنة التأسيسية للدستور، وانتخبوا على أدائهم فى الثورة ووجودهم فى التحرير، وانتخبوا على معارضتهم للنظام السابق وكشف فساده واستبداده، وانتخبهم الناس لشخوصهم ودورهم فى الثورة.. واستشرافا بمستقبل أفضل على أيديهم لهذا البلد مما كان عليه فى عهد المخلوع أو حتى فى الوقت الحالى. بعد مرور أكثر من عام من الثورة، وانتخبهم الناس رغم الدعاية السوداء التى أطلقها أنصار الإخوان ومن معهم ضدهم. 
 وثق الناس فى أنهم سيطالبون بأهداف الثورة.. وسيبذلون كل ما يملكون من أجل أن تصبح مصر دولة ديمقراطية عصرية تليق بثورتها العظيمة التى ألهمت وابهرت العالم كله.. وبشعبها وبتاريخها وجغرافيتها. 
 وثق الناس فى أنهم سيقفون ضد دعاوى التخلف والتراجع عن قيم الديمقراطية والحداثة، التى ناضل الشعب المصرى ضدها كثيرا، وتوقع أنه جاء اليوم الذى يمكنه فيه أن يحصل عليها الآن.. وليس غدا بعد ثورته العظيمة التى ضحى فيها بالشهداء ضد الديكتاتورية والاستبداد. 
وثق الناس فى أنهم سيقفون ضد حكم العسكر وإدارته الفاشلة لشؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية ومن يحالفهم لشد المجتمع إلى الخلف.. بدلا من الانطلاق إلى الأمام ومحاولة الوصول إلى المجتمعات المتقدمة التى مرت بتجارب أسوأ منا فى الحكم الاستبدادى. 
 وثق الناس فى أنهم سيسعون لأن يكون لمصر دستور جديد، وهو الذى كان المطلب الأول للثورة «ولكن تلاعب وتحالف العسكرى والإخوان جعله فى المؤخرة!!». دستور عصرى تشارك كل طوائف وقوى المجتمع فى وضعه.. بدلا من أن يسيطر من يريدون أن يرثوا النظام السابق.. حتى ولو كانوا الإخوان وحلفاءهم من جماعات وقوى إسلامية كانت تقف ضد الثورة وضد خلع النظام وكانت ترى أن الخروج على الحاكم حرام.. فأصبحت الآن تلك القوى هى التى تتحكم فى كتابة الدستور. 
أى نعم هناك أعضاء فى المجلس ممن تحالفوا منذ البداية مع الإخوان ومن معهم.. فأصبحوا فى حرج من الاعتراض على ما يفعله الإخوان، ويخالفون به كل الأعراف والتقاليد فى تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، ويسيطرون عليها.. ويتراجعون عما وعدوا به بعد الثورة من أنهم يسعون إلى المشاركة لا المغالبة، فأصبح الأمر الآن المغالبة لا المشاركة.. ويسعون إلى التكويش على كل أمور البلاد.. مستغلين حكومة ضعيفة مهترئة.. ويهددونها كل أسبوع بأنها يجب أن ترحل، وجنرالات معاشات المجلس العسكرى الذين باعوا الثورة من أجل شراء رضا تلك الجماعات. 
 وبالطبع هناك أعضاء يريدون أن يركبوا الموجة كما كانوا يفعلون مع النظام السابق، ومن بينهم البرلمانى الجعجاع الذى كان يتحدث باسم النظام السابق، ويفرض نفسه الآن متحدثا باسم جنرالات معاشات المجلس العسكرى، ويورد لهم شخصيات وأنفارا منهم من ينتمى إلى لجنة سياسات الحزب الوطنى الساقط المنحل ومن كان يُشغله أحمد عز!!
 لكن هناك أعضاء فى حجم عمرو الشوبكى، وهو الذى حورب من الإخوان فى الانتخابات محاربة قاسية وصلت إلى الدعاية السوداء بأنه مسيحى، رغم أن اسمه محمد عمرو الشوبكى. 
 وهو ما يبين موقفهم من الأقباط أيضا، ومعه باسم عادل، وزياد بهاء الدين، وعماد جاد، وزياد العليمى، وغيرهم صامتون مما يحدث فى تشكيل اللجنة التأسيسية واستئثار جماعة الإخوان وتنفيذ مكتب إرشاد الجماعة لسياساته والسيطرة الكاملة على اللجنة لوضع دستور على مزاجهم وإقصاء القوى المختلفة من المشاركة فيه، وإصرارهم على تفسيرهم الخاص لتشكيل اللجنة وإغلاق آذانهم للقوى التى شاركت بحق فى الثورة من سماع تفسيرهم وشروطهم لتشكيل لجنة الدستور بعيدا عن البرلمان. 
 جاء الوقت الآن لإعلان موقف جماعي واضح وصريح من جماعة الإخوان التى تحاول التكويش على كل شىء بتحالفات غريبة ومريبة.. حتى ولو بالانسحاب من هذا البرلمان، فهذا البرلمان لا يمثل الثورة، ومن العار أن يشارك أعضاء مثلهم فى لجنة الخيبة لوضع الدستور. 
 آن لمصر أن تكتب دستورها بنفسها، لا أن يكتبه لها الإخوان.