أقلامهم

مارون بدران: النفط يهوي 29% .. ميزانية الكويت في خطر!

الإنفاق العام يقترب من سعر التوازن.. ولا فوائض بعد اليوم


النفط يهوي 29% .. ميزانية الكويت في خطر!
 
مارون بدران


هوى سعر النفط الكويتي نحو %29 آخر 3 أشهر، ووضع الميزانية العامة للدولة في خطر. فوفق آخر أرقام أعلنتها مؤسسة البترول الكويتية، بلغ سعر الخام الكويتي 87.7 دولارا للبرميل، انخفاضا من 122.9 دولارا في 23 مارس الماضي. وبذلك، تقترب الميزانية من سعر التعادل أو السعر التوازني للبرميل في السنة المالية 2013/2012، لتودع ربما الفوائض المالية، إذا استمرت أسواق النفط العالمية على تقلبها وضعفها.
وتشير الوقائع إلى أن المصروفات الجارية في الميزانية، لا سيما كتلة الرواتب والدعم، تلتهم أكثر من ثلثي الإيرادات النفطية، بعد أن قفزت بفعل زيادات الأجور وإقرار الكوادر إلى نحو 16 مليار دينار في السنة المالية الحالية. وقد لجأت الدولة لتغطية هذه النفقات العامة الجارية إلى زيادة انتاج النفط، متجاوزة بذلك حصتها في منظمة أوبك، مما يعكس مدى العجز الحكومي، خصوصاً أن خطة التنمية وضعت في «الثلاجة» لأجل غير مسمى.
إلى ذلك، حذر صندوق النقد والبنك الدوليين من خطورة الوضع، خصوصا أن الكويت هي الأولى في العالم اعتمادا على مصدر وحيد للدخل، في ما يشبه تجفيفا منظما للثروة.


جاء الوقت الذي حذر منه الخبراء والباحثون وبيوت الاستشارات المحلية والعالمية وعشرات اللجان الرسمية. جاء الوقت الذي اقترب فيه برميل النفط من السعر التوازني في الميزانية العامة. جاء الوقت الذي أصبحت فيه مالية الدولة على «شفير» العجز، بعد 13 عاما متتالية من الفوائض. جاء الوقت الذي لم يكن في حسبان لا الحكومة ولا عدد كبير من النواب، الذين لطالما اعتمدوا زيادة رواتب الموظفين نهجا، وتحميل الميزانية مزيدا من الأعباء كمنهجية عمياء صماء. ففي آخر 3 أشهر فقط، هبط سعر برميل النفط الكويتي نحو %29، ليجعل مالية الدولة في خطر. فبين 23 مارس الماضي و22 يونيو الجاري، انخفض سعر الخام الكويتي من 122.9 دولارا للبرميل الى 87.75 دولارا.


وفي حمأة التطورات والأحداث غير المعهودة على الساحة السياسية الداخلية، يبدو أن هذا الموضوع الخطير لا يجد الاهتمام اللازم. وفي هذا الاطار، يلقي مراقبون الضوء على جملة من الملاحظات والاستنتاجات والتحذيرات:


 


1 – أكثر دولة في العالم اعتماداً على النفط


ما زالت المالية العامة تعتمد بشكل كبير جدا على النفط. وقد حذر صندوق النقد الدولي أخيرا من أن الكويت هي أكثر دولة في العالم اعتمادا على البرميل، حيث تشكل الايرادات النفطية نحو %95 من اجمالي دخل الدولة. وهذا الرقم المرتفع جدا يعكس فشل الخطط الرسمية في تنويع مصادر الدخل فشلا ذريعا، بعد سنوات من التخطيط والدراسات والاستشارات، ومن دون أي انجازات تذكر.


 


2 – الإيرادات العامة تتراجع دراماتيكياً


تنتج الكويت 3 ملايين برميل يوميا، وفق تصريحات قياديي مؤسسة البترول. ومعلوم أن نحو 300 ألف برميل يوميا يتم استهلاكها محليا، مما يعني امكانية تصدير 2.7 مليون برميل تقريبا. وبحسبة بسيطة، يمكن استنتاج أن الإيرادات النفطية للدولة هبطت 93 مليون دولار يوميا، بين 23 مارس الماضي عندما كان سعر النفط 122.9 دولارا، واليوم عند 87.7 دولارا للبرميل. وبذلك، تنخفض الإيرادات العامة نحو 33.94 مليار دولار في السنة، أي نحو 9.5 مليارات دينار، حسب سعر الصرف أمس الأول, وقياساً بأعلى سعر وصله البرميل هذه السنة.


 


3 – المصروفات الجارية المخيفة في ازدياد


ما فتئت المصروفات الجارية الرسمية تزداد سنة بعد سنة، من دون رحمة ولا شفقة بميزانية الدولة. فمنذ التهديد الشهير للعاملين في القطاع النفطي بالإضراب الصيف الماضي وبوقف صادرات النفط، وتنفيذ الحكومة لكامل مطالبهم، كرت سبحة المطالبات والإضرابات، وكرت مقابلها الإقرارات بالزيادات والكوادر.


وقد ارتفعت كتلة الرواتب والأجور لموظفي الدولة من نحو 3 مليارات دينار في السنة المالية 2000/1999 إلى 9.2 مليارات في 2012/2011، وفق تقرير اللجنة الاستشارية الاقتصادية التي تشكلت برغبة سامية.


وتضاف إلى كتلة الأجور أعباء مالية أخرى مثل الدعم المباشر للسكن والكهرباء والمياه والمشتقات النفطية وبعض سلع التموين واللحوم… والمقدرة بنحو 4.5 مليارات دينار في السنة المالية الأخيرة. كما تتحمل مصروفات الميزانية العامة أيضا الامتيازات التقاعدية التي بلغت نحو 1.1 مليار دينار في 2012/2011. وبذلك، ترتفع المصروفات الجارية إلى أكثر من 14.8 مليار دينار في السنة. وستُضاف إليها نحو مليار دينار في السنة المالية الحالية، نظرا لزيادة الرواتب وإقرار عدد من الكوادر، ليرتفع المبلغ الإجمالي إلى 15.8 مليار دينار.


 


4 – الميزانية تقترب من حافة العجز


بلغ سعر البرميل اللازم لتحقيق التوازن في الميزانية العامة للسنة المالية الماضية نحو 71.45 دولارا عند معدل انتاج 2.75 مليون برميل يوميا. ومع ارتفاع كتلة الرواتب والدعم والتأمينات، تلتهم المصروفات الجارية نحو 154.3 مليون دولار يوميا، أي أكثر من 57 دولارا من سعر البرميل عند معدل تصدير 2.7 مليون برميل. وعند سعر النفط اليوم (87.7 دولارا للبرميل)، تكون المصروفات الجارية تلتهم أكثر من ثلثي البرميل، ناهيك عن مصروفات الدولة الأخرى. وبما أن المصروفات الجارية تعتبر نفقات خطرة لا يمكن الرجوع عنها، يشكل سعر النفط المنخفض ضغطا على الميزانية العامة التي تقترب من حافة العجز الحقيقي، خصوصا أن سعر البرميل المطلوب للتوازن بعد سنوات قليلة فقط، سيتخطى 100 دولار، وفق توقعات اللجنة الاستشارية الاقتصادية. ويقول صندوق النقد الدولي، في تقريره الأخير حول الكويت وفق المادة الرابعة، أنه كلما ارتفع سعر التعادل للبرميل في الميزانية، كلما أصبحت البلاد أقل حصانة، وأكثر عرضة لتقلبات أسواق النفط، مما يشكل خطرا عاما على المدى المتوسط.


 


5 – زيادة الإنتاج كارثية بغياب التنمية


تلبية للارتفاع المستمر في المصروفات الحكومية الجارية، اعتمدت الدولة خطة لزيادة الانتاج النفطي فوق السقف المحدد من {أوبك}، بعد فشل استراتيجية تنويع مصادر الدخل. وفي هذا خطر كبير محدق. فمع ضخ مزيد من الخام يوميا من الآبار، ينخفض العمر الافتراضي للاحتياطيات النفطية في البلاد، خصوصا أن هذه الزيادة لم يقابلها ارتفاع في المصروفات الاستثمارية مثلا، لتحسين البنية التحتية والخدمات، مثل الصحة والتعليم ضمن مشروع تنموي مستدام للأجيال القادمة. ويبدو أن خطة التنمية باتت في «خبر كان»، خصوصا مع الأوضاع السياسية في البلاد، وسوء التنفيذ وضعف الجهاز الاداري الرسمي. ومع فشل خطة التنمية الأخيرة، تسقط آخر محاولة لتنويع مصادر الدخل في البلاد.


ومن الجدير ذكره أنه مع استمرار ارتفاع المصروفات الجارية بالوتيرة نفسها، لن تدوم أموال صندوق الأجيال القادمة أكثر من سنوات معدودة في الانفاق على الدولة وموظفيها. وهذا ما يعني في الواقع أن الأجيال الحالية تبدي عدم اكتراث فعليا بالأجيال القادمة.


 


6 – إنتاجية ضعيفة وفرص عمل مخيفة


مقابل أزمة تغطية المصروفات الجارية، تظهر مشكلة الارتفاع المستمر في رواتب الموظفين الكويتيين. وقد حذّرت المؤسسات الدولية، مراراً وتكراراً، من تضخم القطاع العام، الذي يعتبر أكبر جهاز حكومي في العالم نسبة إلى عدد السكان. ومع المعايير المطبقة في التوظيف الحكومي، تنخفض إنتاجية الموظف لأسباب مختلفة، ليس الوقت مناسب اليوم للدخول في تفاصيلها. وهذه الإنتاجية الضعيفة تضر طبعاً بجودة الخدمات المقدمة للناس، مثل الكهرباء والماء والطبابة والتعليم، وبالتالي تشكل خطراً على مستقبل الأجيال الحالية والقادمة، أيضاً.


وقد ذكر صندوق النقد الدولي أن أكثر من %60 من المواطنين تبلغ أعمارهم أقل من 24 سنة، كما أن أكثر من 40 % تتراوح أعمارهم بين 10 و24 سنة، وهذه الخاصية ستخلق المزيد من الضغوط على سوق العمل، خصوصاً أن القطاع العام عليه استيعاب سنوياً، بين 11 ألفاً و19 ألف داخل جديد إلى سوق العمل. هذا الرقم أعلى بكثير من معدل توظيف الكويتيين آخر 10 سنوات، والذي بلغ 9 آلاف موظف سنوياً. وأفاد الصندوق أن القطاع الخاص يحتاج إلى النمو بين %14و%17 سنوياً، حتى يتمكن من استيعاب المتخرجين الكويتيين الجدد.


 


7 – أكبر استهلاك محلي للنفط وأرخص الأسعار


إلى جانب مسألة رواتب المواطنين وارتباطها بأسعار النفط، تبرز قضية دعم السلع ضمن المصروفات الجارية المتضخمة في الميزانية العامة. وقد ذكر صندوق النقد الدولي، في تقريره الأخير، أن الفرد في الكويت هو خامس أكبر مستهلك للنفط محلياً في العالم. وقد حلت الكويت بعد ترينداد وتوباغو وقطر وسنغافورة والإمارات، حيث بلغ معدل استهلاك الفرد أكثر من 80 برميل سنوياً. ويرجع الاستهلاك المرتفع إلى ارتفاع مستوى معيشة الفرد ولأسعار الطاقة المنخفضة بفضل الدعم، حيث تحتل الكويت المركز السادس عالمياً، أيضاً، من حيث رخص أسعار الوقود، وذلك بعد فنزويلا وإيران والسعودية وقطر وتركمانستان. ويحرق النفط المحلي عادة في محطات توليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه، وفي المركبات والسيارات.


ويقول صندوق النقد ان رفع سعر الوقود في الكويت إلى سعر التكلفة يعني ارتفاع سعر البيع بالتجزئة نحو %183. وإذا ارتفع هذا السعر أيضا بالنسبة لوقود محطات الطاقة، من المتوقع أن ينخفض الطلب المحلي على النفط بين %27 و%41 على المدى الطويل، رغم ما للخطوة من تأثيرات على دخل الفرد على المدى القريب. وينصح صندوق النقد بتنفيذ هذه الخطوة الإصلاحية تدريجيا شرط الأخذ بعين الاعتبار فئة محدودي الدخل.


 


8 – حاجة ملحة لزيادة الإيرادات غير النفطية


بما أن زيادة الرواتب والأجور لا يمكن الرجوع عنها، وبما أن تخفيض الدعم، خصوصا على الوقود، مقترح من صندوق النقد الدولي، ينبغي التفكير جديا بكيفية زيادة إيرادات الدولة غير النفطية بهدف الحفاظ على ميزانية قوية وقادرة على دفع رواتب الموظفين. وفي هذا الإطار، نصح البنك الدولي باعتماد نظام ضريبي لزيادة الدخل. وقد عقد البنك مع الحكومة ورش عمل حول ضريبة القيمة المضافة، التي ينبغي أن تطبق في عام 2013 وفق برنامج دول مجلس التعاون الخليجي. لكن تخفيض الدعم وتحصيل بعض الضرائب لا يكفيان لتنويع مصادر الدخل، حيث يوصي صندوق النقد الدولي بوضع قانون يحدد الميزانية العامة على المدى المتوسط مما يساعد الدولة على إدارة الدورة النفطية بفعالية أكثر. وهذا يعني أن تحديد أرقام في الميزانية لسنوات ثلاث مثلا، قد يضبط الزيادات المستفحلة في الرواتب والدعم، ويساعد الحكومة على تحقيق أهداف زيادة الإيرادات غير النفطية. وقد اعتمدت أكثر من 80 دولة حول العالم هذا المبدأ بوسائل مختلفة بعد الأزمة المالية في 2008 بهدف ضبط الميزانيات.


 


9 – دور القطاع الخاص محوري ينبغي تحفيزه


طالما بقيت الحكومة هي محور الاقتصاد الجوهري، طالما استمرت أسعار النفط متحكمة برقبة الميزانية وبرواتب الموظفين. وقد بُحت أصوات الخبراء وجفت أقلام المتخصصين وهم يطالبون بتوسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد عبر أساليب مختلفة. فخصخصة بعض الخدمات والقطاعات مثلا تعتبر ضرورة ملحة لتطور الاقتصاد ونموه. كما أن القطاع الحكومي سيصبح عاجزا بعد سنوات قليلة عن استيعاب جميع الداخلين الجدد الى سوق العمل. ومن هنا أهمية تحسين بيئة الأعمال وتطوير التشريعات لجذب المستثمرين في القطاعات التشغيلية بهدف خلق فرص عمل وتنويع الاقتصاد وما الى ذلك من اصلاحات اعتمدتها وقطفت ثمارها دول متقدمة كثيرة.


 


10 – التوقعات قاتمة.. شدوا الأحزمة!


في الختام، تجدر الاشارة الى أن أسباب انخفاض أسعار النفط في الأشهر الثلاثة الماضية ما زالت مستمرة على حالها، لا بل ان التوقعات تشير الى المزيد من السوء. فالاقتصاد الأميركي يواجه صعوبات عدة وقد يحتاج لحزمة ثالثة من التيسير الكمي لانعاشه من جديد. كما أن الاقتصاد الصيني بدأ يشهد تباطؤا في نموه بسبب ضعف الصادرات الى الدول الاستهلاكية المأزومة. أما أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو فحدث ولا حرج عنها وما تفرزه من خطط تقشف قد تضر بالطلب العالمي على النفط. ويبقى العامل الجيوسياسي هو الأكثر شدا لأسعار النفط نحو الارتفاع، والمتمثل بأزمة النووي الايراني ومفاوضات بلاد الفرس مع الغرب.


ولعل التوقعات القاتمة لأسواق النفط العالمية توقظ السلطات الكويتية من سباتها العميق، وتدفع نحو التحرك باتجاه تحسين الايرادات غير النفطية وتنويع مصادر الدخل وتحفيز القطاع الخاص، بهدف ابعاد الخطر المتربص بالرفاهية التي يتمتع بها الكويتيون. لقد حان الوقت للتحرك وشد الأحزمة، فقد يكون الآتي أعظم!

Copy link