كتاب سبر

دراسة يرد فيها شبهة حرمة الخروج في المسيرة بحجة عدم إثارة الفتنة
كرامة وطن .. سُنّة أم فتنة!

*  ما يحدث في الكويت من حراك لإصلاح الوضع السياسي  من قبيل سنّة التدافع بين الحق والباطل
* من قعد عن مناصرة الحق والخروج على الباطل وإزهاقه قد يكون سقط في الفتنة من حيث لا يشعر                    
 في دراسة شرعية لمعنى الفتنة في الاسلام ردّ الباحث الشرعي يوسف المهيني  على شبهة (المسيرات فتنة) التي يثيرها بعض الدعاة ، مؤكدا ان ما يحدث في الكويت من حراك لإصلاح الوضع السياسي إنما هي سنة التدافع بين الحق والباطل التي قررها الله في كتابه في قوله تعالى (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ)، بل تساءل” لماذا لا يُصَوّر من قعد عن مناصرة الحق والخروج على الباطل وإزهاقه أن عمله هذا هو الفتنة التي سقط فيها من حيث لا يشعر؟”..؟ وفيما يلي نص الدراسة: 

كلما تعالت الصيحات وقام حراك يطلب بالإصلاح السياسي وينشده، انقسم الناس تجاهه إلى قسمين: قسم يؤيد ويساند، وقسم يشكك ويعارض، وهذه سنة الله في الخلق، لكن ما لفت انتباهي هو موقف بعض الإخوة والأستاذة –هداهم الله- من أهل العلم والمتمثل في إصرار على وصف أي حراك إصلاحي بأنه فتنة!
فكلمة الحق الجريئة في مفهومهم فتنة والاعتصام فتنة، والاحتساب على السلطة فتنة، أما المسيرات فهي أم الفتن والخبائث، وبذلك أصبحت هذه الكلمة “فتنة” هي الحامية الرئيسية للفساد والمفسدين، وباسمها يمارس القمع والاستبداد، لذلك رأيت من الواجب الوقوف مع مصطلح الفتنة وإزالة اللبس حوله.
الفتنة في اللغة هي: الابتلاء والاختبار، وأصلها من قولك فتنت الذهب والفضة إذا أدخلتهما النار لتميز الجيد من الردئ.
والمتتبع للفظ الفتنة في القرآن الكريم سيقف على أكثر من عشرة معان لها، سأذكر بعضا منها طلباً للاختصار:
– الاختبار : قال تعالى : {وَنَبلُوكُمْ بـالشَّرّ والـخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَـيْنا تُرْجِعُونَ} قال الشيخ الشنقيطي صاحب أضواء البيان : وهو أكثر المعاني استعمالاً.
–  الصد عن السبيل : كما في قوله تعالى: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك} قال القرطبي معناه : أن يصدوك ويردوك.
– اشتباه الحق بالباطل : كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} أي : إذا تركتم أيها المؤمنون موالاة بعضكم بعضاً، وواليتم الكافرين أصبحت فتنة في الأرض، وهي اشتباه الحق بالباطل على بعض المؤمنين.
– الإضلال : كما في قوله تعالى: {وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} فإن معنى الفتنة هنا الإضلال .
– اختلاف الناس وعدم اجتماع قلوبهم : كما في قوله تعالى: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأّوْضَعُواْ خِلَـلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّـعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّـلِمِينَ} أي: يوقعوا الخلاف بينكم، والعجيب أن الآية تمتن على المؤمنين عدم خروج المنافقين في صفوفهم لأنهم سيحدثون الفتنة وهي تفرق كلمتكم عن جهاد الباطل!!
قال ابن حجر في الفتح: واستعملت أيضاً الفتنة في الإِثم والكفر والعذاب والفضيحة، ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن.
فهذا مختصر عن استعمال الكلمة في اللغة والقرآن الكريم، وواضح أنه معنى شامل ومتعدد، وله عدة إطلاقات، أما إطلاق بعض أهل العلم المعاصرين للفظ الفتنة فأراهم يحصرونها في معاني سلبية فقط، وهي أنها : اشتباه الحق بالباطل وصعوبة التميز بينهما، أو أنها أمر محيرٌ لا يعلم وجه الصواب فيه، أو أنها أي الفتنة شرٌ محض لا خير فيها ولا من ورائها فالأولى تركها وعدم الخوض فيها، وهذا الحصرُ غريب، فهل قام هذا الحراك إلا من أجل الإصلاح السياسي،ومن أجل محاربة الفساد وملاحقة المفسدين ومحاكمة المرتشين، فهل هذه القضايا عندهم لم يتبن وجه الصواب فيها بعد؟!، أم أن مدافعة الباطل وملاحقته أصحبت فتنة وشراً؟!
 على أن الله سبحانه وتعالى ذكر الفتنة في كتابه بأنها اختبار وبيّن أنها سنة إلهية تتحقق من ورائها الكثير من الحِكَم منها :
1- الكشف عن خبايا النفوس وتصفيتها :
 قال تعالى : {آلـم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} يستنكر الله على ظن بعض الناس بأنهم يتركون دون اختبار وبلاء!! مع أن الله قد فتن من قبلهم من الأمم، وتبين الصادق من الكاذب، وصاحب المبدأ الراسخ من صاحب الهوى المتقلب.
قال الشاعر : 
سبكناه ونحسبه لجيناً **  فأبدى الكِيرُ عن خَبَثِ الحَديدِ
2- الرجوع إلى الله ومحاسبة النفس :
قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} فالله تعالى فتن نبيه واختبره فما كان منه عليه السلام إلا الثبات على المبدأ والمبادرة بالرجوع إلى ربه بالتوبة وطلب الغفران من ذنبه، فالفتن ميدان من ميادين الرجوع إلى الله ومحاسبة النفس.
ثم من يقصر لفظ الفتنة على الشر فقط نسي أن الفتنة قد تكون في الخير كما هي في الشر قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً * لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} فالآية تبين أن الله قد يبتلي الإنسان بالخير لا بالشر كما يتوهم البعض.
 وقال: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال ابن عباس: أي نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والـهدى والضلال.
فلماذا لا يُصَوّر من قعد عن مناصرة الحق والخروج على الباطل وإزهاقه أن عمله هذا هو الفتنة التي سقط فيها من حيث لا يشعر فلابد من المراجعة قبل المهاجمة والتشكيك فيمن لم يُرد إلا الخير لهذا البلد، وفي هذا السياق أنبه إلى أنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : “الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها”، فهذا حديث ضعيف ضعفه السيوطي ومن بعده الألباني.
إن ما يحدث في بلدنا الكويت الحبيبة من حراك لإصلاح الوضع السياسي إنما هي سنة التدافع بين الحق والباطل التي قررها الله في كتابه في قوله تعالى {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} فلولا أنْ دَفَع الله أهل الفساد بأهل الصلاح لفسدت الأرض بغلبة الفساد وتَمَكّن الطغيان، ولكن سنة التدافع من فضل الله على المخلوقين.
وهذه سنة إلهية جارية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، من أجلها قام مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح ورفض الظلم والتعاون على البر والتقوى وإقامة العدل بين الناس، فكل هذه المبادئ تصب في رصيد نصرة الحق ومدافعة الباطل.
حفظ الله الكويت وشعبها من كل سوء ومكروه
وإلى مزيد من سنن الله في دفع الباطل ومغالبته
بقلم: يوسف المهيني
@almaheni
Copy link