أقلامهم

محمد الجاسم: مهمة القضاة هي النظر في القضايا بعيدا عن التأثر بأقوال ضباط المباحث وتفسيرهم لمقاصد ونوايا المتهمين.

الميزان 
محاكمات النوايا 
محمد عبدالقادر الجاسم
معظم، إن لم تكن جميع، قضايا العيب في الذات الأميرية التي تنظرها المحاكم تقوم على أساس فهم ضابط المباحث لقصد المتهم، سواء كان المتهم قد تحدث أو كتب مقالا أو تغريدة في تويتر. وبالطبع فإن فهم ضابط المباحث لا يمكن أن يصلح للاستخدام كدليل لإدانة المتهم، فضباط المباحث مطلوب منهم، بحكم وظيفتهم، توجيه الاتهام أيا كانت مقاصد ونوايا المتهم، وبالتالي فإن مهمة القضاة هي النظر في القضايا بعيدا عن التأثر بأقوال ضباط المباحث وتفسيرهم لمقاصد ونوايا المتهمين.
وقد قرأت مؤخرا حكما مهما صدر من المحكمة الدستورية المصرية حول «محاكمة النوايا».. إذ قالت المحكمة:
«وحيث إن الدستور بما نص عليه في المادة (66) من أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها، قد دل على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره، يتمثل أساساً في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مفصحاً بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء في زواجره ونواهيه، هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً، ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وهي التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهي التي تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها. بل إنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي، فإن محكمة الموضوع لا تعزل نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعاً واضحاً، ولكنها تجيل بصرها فيها، منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابها. ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيراً خارجياً ومادياً عن إرادة واعية. ولا يتصور بالتالي وفقاً لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، بما مؤداه: أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية- وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته- تعتبر واقعة في منطقة التجريم، كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة…».