أقلامهم

سعدية مفرح: لم يعد يعني لي السبت أي شيء بعد أن كان كل شيء. لم أكن أعرف أن السبت صرح من خيال.

أسفار 
لا تنتظرها..! 
الاسم: سعدية مفرح
** ** **
كنت قد ودعت من صَعُبَ علي وداعه قبل قليل بدمعتين وحسرة خفية وابتسامة لائذة بقليل من الدهشة، عندما دفنت رأسي بين ضفتي كتاب يرافقني وأنا أجلس في السيارة صامتة مضحية برؤية آخر ما قد أراه على الطريق من مشاهد مدينة الرياض.. نحو المطار.
بين صفحات الكتاب التي لم أقلب منها سوى صفحة واحدة وشاشة الآيفون التي لم أفتح فيها سوى نافذة واحدة على رقم واحد في الرسائل، مضى الوقت الطويل حتى وصلت الى موظف الخطوط الجوية الكويتية قبل موعد إقلاع الطائرة بساعتين. وضعت ومن يرافقني حقائبنا على مسارها المعتاد قبل أن يرفع الموظف رأسه بابتسامة محايدة ليقول لي: رحلتك تأخرت.. عليك الانتظار في قاعة الضيافة خمس ساعات قبل أن يحين موعد الاقلاع الجديد، أو تذهبي الى أي مكان آخر.. وربما تعودين الى حيث كنت ريثما تأتي الطائرة المتأخرة!
أعود؟ مرة أخرى؟ ووداع آخر؟.. لا.
الانتظار لخمس ساعات أفضل بالتأكيد. معي ديوان شعر مدهش، وآيفون، وآيباد محمل بمكتبة كاملة من الكتب الإلكترونية.. وتويتر، ومعي أيضا ذكرى تخلقت تفاصيلها للتو في ذاكرتي المعطوبة، وبالتأكيد سيتوافر لي فنجان قهوة. ماذا يريد الانتظار أكثر من ذلك الآن؟ سأنتظر.
** ** **
قاعة الضيافة مريحة بما يكفي لأن تمضي الساعات الخمس ساكنة إلا من ذلك الدوي الخفي الذي يملأ الروح ويشجعها على مراجعة كل النوايا المجنونة في ظلال الانتظار، ولكنها ليست ملائمة لتنفيذ تلك النوايا بالسرعة الممكنة. حتى لو وجدت الآن عصا سحرية مدسوسة بين المقاعد لما استطاعت أن تنفذ كل ما أريد في انتظاري.. فما أريده متناقض كما شرق وغرب. صحيح أن الشرق والغرب قد يلتقيان في قصيدة ولكنهما لن يتلقيا في قاعة انتظار في المطار.. حتى لو كان من يجلس أمامي الآن رجل اسكندنافي الملامح يجاور آخر نجدياً كما بدا من لهجته وهو يتحدث بالهاتف.
ابتسم لي الرجل الإسكندنافي بريبة وغرابة فاكتشفت أنه يرد على ابتسامة شاردة مني باتجاهه رغم أنها لم تكن له بل لتلك الذكرى القريبة جدا والتي تركتها على الطاولة بجانب فنجان القهوة الفارغ وآنية التمر وكوب شاي لم أقربه وكتب كثيرة، وحكايات مدهشة لم تنته، وصور نادرة، وتوقيعات بظلال موحية، وأسئلة ظلت بلا أجوبة، ونظرة معلقة في فضاء ما.. ورجاء بعيد.
** ** **
موعد بلا معنى هو الانتظار، خاصة لمن ننتظرهم بلا مواعيد مسبقة ولا سقف زمنيا لها..
** ** **
أنتظره سنين طوالا وينتظرني بعددها.. ولكن لأننا نقف في محطتين مختلفتين على سبيل الانتظار.. لا أصله ولا يصلني.
** ** **
أصعب الانتظارات على الاطلاق تلك التي تتم أمام غرفة العمليات أو غرفة العناية الفائقة، ذلك الانتظار الذي يختلط فيه الأسى بالأمل، والصبر بالبكاء، والخشية بالخوف، وحيث ترتجف اليدان ويرتعش القلب وترى العيون مفتحة من دون أن تبصر شيئا، وتسمع الأصوات من دون أن تفهم منها شيئا.. وتموت قبل أن يحيى أو يموت ذلك الساكن على السرير الابيض وراء الباب ألف مرة ومرة.
انتظارك أمام غرفة العمليات مثلا يعني أنك تخضع خضوعاً تماماً لكل ما يقوله لك الطبيب.. تستجيب لكل ما يأمرك به لكي لا ينفعل أو يغضب.
مرة كنت أنتظر أمام غرفة العمليات لمدة سبع ساعات متواصلة.. لا أتذكر الآن كيف مضت ولا كيف بقيت بعدها على قيد الحياة.. أتنفس.
** ** **
لم يعد يعني لي السبت أي شيء بعد أن كان كل شيء. لم أكن أعرف أن السبت صرح من خيال، وهوى. وعرفتُ أخيرا لكني ما زلت مصرة على ممارسة طقوس الانتظار لتفاصيل صباحاته القديمة.
** ** **
يقول محمود درويش: «إلى أَن يقولَ لَكَ الليلُ: لم يَبْقَ غيركُما في الوجودِ/ فخُذْها، بِرِفْقٍ، إلى موتكَ المُشْتَهى/ وانتظرها!»..
وأقول: بل لا تنتظرها، في ذلك الحال بالذات، لا تنتظرها.
سعدية مفرح
Copy link