أقلامهم

ساجد العبدلي: من يستمر في ممارسة “الضغاط” يغامر ببقاء علاقاته.

«ضغاط» 
كتب المقال: د. ساجد العبدلي
“ضغاط” في اللهجة الكويتية تعني الضغط، والمراد بها أن يمارس شخص ما الضغط النفسي أو الكلامي أو الاثنين معا على شخص آخر، ويقوم الناس بذلك إما على سبيل المزاح الثقيل الجارح غالباً، أو بداعي التذاكي ومحاولة فرد العضلات العقلية والنفسية والتفوق على الطرف الآخر، وتبيان أنه واعٍ جداً لكل ما يحيط به، أو كطريقة رد فعل يحاول من خلالها الشخص أن يصمد في خضم علاقة اجتماعية صعبة أو ملتبسة لسبب من الأسباب.
“الضغاط” هو إحدى الحيل النفسية الدفاعية المعروفة في علم النفس، والتي قد يظن الشخص من خلالها أنه ينتصر لنفسه ويحميها ويخفف عنها الألم، شعوريا أو لا شعوريا، ولكنه في الحقيقة سيكتشف مع مضي الوقت أنه قد أساء إليها من حيث لا يدري، حيث توسع حجم الهوة وعمقها بينه وبين الطرف الآخر، وازداد الألم.
“الضغاط” ثقيل على النفس ومؤلم وجارح، حتى لو كان مستنداً إلى حقيقة يظنها الشخص، كتقصير الطرف الآخر أو إخفاقه في شيء ما أو سوء تصرفه أو حتى غبائه أو سذاجته، والاستمرار به وعدم مراعاة مشاعر ذاك الطرف الآخر وقدرته النفسية على الاحتمال يهدد استمرار العلاقة، حيث يؤثر في المقام الأول في صحتها، فنراها وقد اعتراها المرض واعتلت وأخذت في التعثر والاضطراب، وسرعان ما وصلت إلى حد الافتراق.
من يستمر في ممارسة “الضغاط” على من حوله، وبالأخص على من يعنيه أمرهم، يغامر ببقاء تلك العلاقات واستمرار وجودها في حياته، وذلك حتى لو كان هناك رصيد كبير من الحب بينه وبين أطراف هذه العلاقات، لأنه ليس بالحب، كعاطفة مجردة، وحده تستمر العلاقات وتنجح، بل هي بحاجة إلى العاطفة ومعها مقادير كبيرة من الاستيعاب والتقبل والتحمل والاحترام المتبادل.
لا أحد كامل، وكل بني آدم يعتريهم النقص، وإن أصر الواحد منا على كمال ومثالية الأطراف التي يريد أن يتعامل معها، فهو في الحقيقة يطالب بالمستحيل وسينتهي أمره إلى أن يصبح في عزلة عاطفية واجتماعية.
من الضروري لراحة بال الإنسان وسعادته وسيطرته على الأمور حقا أن يمارس فنون “التطويف” و”التطنيش” وأن يتغاضى كثيراً ويتغابى إزاء كثير مما يمر حوله ويبدر ممن يتعامل معهم، وليس في هذا ضعف أو قلة حيلة بل هو على العكس قوة وتسيد للمواقف، وكما قال الشاعر:
ليس الغبي بسيد في قومه
ولكن سيد قومه المتغابي
من الذكاء والحكمة أن نعطي لمن حولنا، خصوصا من نحب، مساحاتهم وأن نغفر لهم زلاتهم وألا نوقفهم أمام كل منعطف وألا نضغطهم جداً، بل نعطيهم الفرصة للقيام من عثراتهم وتصحيح أخطائهم وتبرير ما يبدر منهم وتفسيره قبل أن نركب موجات الظنون السيئة، وعلى الواحد منا دائماً أن يستفيد من التجارب التي مر بها سابقاً، وكيف انتهت، وأن يتعلم من هذه الدروس الدائمة والمستمرة.
وتذكروا دوما يا سادتي، الحب مهم وضروري، ولكن الحب وكما قلنا ليس عاطفة مجردة، بل الحب الحقيقي هو منظومة متكاملة من التعبير شعوراً وقولاً وفعلاً، و”الضغاط” والعتب واللوم المستمر ليست منها أبداً.
Copy link