أقلامهم

ناصر المطيري: من الخطأ أن نحرر وسائل الكفاح من معاييرها الأخلاقية ونقرنها فقط بما تسوغه المصالح.

خارج التغطية
الغاية والوسيلة
ناصر المطيري
«إن الشر لا يقتل الشر كما النار لا تطفئ النار» ( تولستوي )
يحكى أن أدولف هتلر كان يخفي تحت وسادته كتاب «الأمير» لميكافيللي لينام هانئاً فوق وصيته الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»، وتروى ذات الحكاية عن ستالين وموسوليني وفرانكو وغيرهم من الديكتاتوريين الذين أباحوا لأنفسهم استخدام أشنع أساليب القمع والاضطهاد من أجل غايات رسموها لأنفسهم وأهداف وضعوها فوق كل اعتبار!.
فالاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها خدمةً لمصالح فئة أو جماعة سياسية على حساب جموع الناس ورغماً عنهم، تقتضي استعمال ما يلزم من قهر واستبداد لفرض نظام سياسي يروج له على أنه الخير العام، وتعاد من منظور أخلاقي صياغة التسميات والتوصيفات ليصبح كل معارض لهذا النظام أو مناهض لمصالح سادته، شراً مطلقاً لا يستحق الوجود وحتى الحياة. ليقلب الاستبداد كل المثل الخيرة والقيم الإنسانية كي يديم امتيازاته ويحمي مكاسبه فيعمم أخلاق الخنوع والذل والدجل والوشاية..
وهنا نستذكر ما نبه إليه الكواكبي قبل أكثر من مئة عام وكأنه يتحدث عن واقع اليوم الذي نعيشه فقال «إن الاستبداد يتصرف في أكثر الميول الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها.. هو يقلب القيم الأخلاقية رأساً على عقب ليغدو طالب الحق فاجرا وتاركا حقه مطيعا، والمشتكي المتظلم مفسدا، والنبيه المدقق ملحدا، والخامل المسكين صالح أمين. ويصبح تسمية النصح فضولاً والغيرة عداوة والشهامة عتواً والحمية حماقة والرحمة مرضاً، وأيضاً يغدو النفاق سياسة والتحايل كياسة والدناءة لطفا والنذالة دماثة، وأنه أي الاستبداد، يرغم حتى الاخيار من الناس على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار على إجراء غيِّ نفوسهم آمنين من كل تَبِعة، ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح».
فليس ثمة غاية مهما بدت سامية أو مقدسة يمكن أن ترتفع فوق حق الإنسان المتساوي في الحياة والحرية والكرامة. وبالتالي من الخطأ أن نحرر وسائل الكفاح من معاييرها الأخلاقية ونقرنها فقط بما تسوغه المصالح والغايات الوطنية أو الطبقية أو الطائفية الضيقة مهما كانت عادلة أو مشروعة.
وهنا نذكَّر بسلوك رواد النضال السلمي مثل المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ ومن ثم نيلسون مانديلا، وقد نجحوا في إيقاظ ضمائر الناس وحفز هممهم عبر مختلف الوسائل المدنية لمقاومة الاستبداد والاحتلال في آن معاً من دون التفريط بالأخلاق والقيم الإنسانية.
Copy link