آراؤهم

وفاء في أيام البؤس

إيه أيتها النفس! إنك في حيرة من أمرك، تفاضلين، تختارين، بين من؟ بين الأهل والوطن، وبين الزوج والأولاد والغربة!
الموقف جلل، والقرار صعب، ودقات القلب تتابع مرتفعة، صوتها يكاد يسمع، ومن شدة توالي الضربات فإنه يوشك أن يخرج من مكانه، وفي طريقه يكسر بل يهشم العديد من الضلوع:  الوطن ، الأهل، الأصحاب، الذكريات، التاريخ، الحياة.
الدموع منهمرة من فراق الأحباب كشلال يسقط من عل!!، إنه فراق على كل حال، ولكن فراق من؟ يأتي القرار متسربلا بالآهات الحارة والزفرات الشديدة. 
معك أيها الزوج الحبيب، هاهنا عاطفة الأمومة تتغلب على أي عاطفة أخرى! ما أعظمك من عاطفة! القلب الرؤوم ليس كمثله قلب. 
وحيدة إلا من الزوج والأولاد في بلاد تجتر آلام البؤس والشقاء، بلاد تخرج من حرب لتدخل في أخرى. كيف بها وقد نأت بها الديار؟ وبينها وبين قومها سدود وقيود.
أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ
                         فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ
بلادها لم تتحمل زوجها وأولادها لظروف سياسية قاسية؛ فرحلت لبلاد الغربة، وهنالك الوجوه مختلفة، واللسان مفهوم ولكنه مغاير للسانها.
إيه يا ليلى، ليس لك إلا الصبر. 
تصبر ليلى وتتحمل الأيام بحلوها القليل ومرها الكثير. تمر ليال حالكة السواد والوطن يعيش بين أضلعها، والأهل والجيران والشارع والسوق والمدرسة والخليج والأبراج والربيع والتنزه في البر وغيرها. مشاهد تمر أمام عينيها سريعا حين يخالجها الحنين إلى الوطن. 
أحلام كثيرة تحطمت، فأصبحت كوابيس مزعجة مفزعة، ولكنها تبقى متشبثة بإيمانها صابرة محتسبة.  
يكبر الأولاد ويهرم الزوج وتهرم معه ، وتداهمها الشعيرات البيضاء، وتتكاثر بسرعة لتصبح أغلبية راجحة ، تعتاد الحياة باختلاف أحوالها، وتمر السنون وهي في الغربة إلا من زيارات خاطفة أواتصالات لاتسمن ولاتغني من جوع. 
يتسلل المرض لجسدها النحيل، يمهد رويدا رويدا للمنية، لاتصمد طويلا فقد أنهكها الفراق  وأتعبتها الغربة، توصي أولادها بدفن جسدها  حيث ولد وترعرع؛ لتعيش به بعد مماتها فقد حرمت منه في حياتها.
يأتي الناعي داعيا للعزاء! عظم الله أجركم أيها القوم.  
يعود جسدها الطاهر إلى الوطن، يستقبله الحزن ويلفه البكاء، تتعالى صيحات الثكالى من الأخوات والقريبات. 
تصيح إحداهن نادبة: وا أختاه! وا أختاه! 
يصيح أحدهم: هل علم الوطن بموتها؟
يجيب الآخر: 
يجهل موتها ،،، ولم أخل أن يجهله!! 
ويح له وويح لي ،،، ماذا عسى أقول له؟
إن الحييب نعيه إلى الحبيب معضلة
يصيح الوطن: وا حبيبتاه! واحبيبتاه!  ما أشد قسوتكم عليها! 
توارى الثرى، وبكاء الرجال يعم المقبرة، والنسوة لهن نحيب وعويل يسمع من بعيد على امرأة ضحت وبذلت وأعطت دروسا في الوفاء، لتصبح أسوة حسنة وقدوة تحتذى. 
Subject: مقال/ عبدالكريم مرزوق
From: kareem_m_k@icloud.com
Date: Fri, 29 Nov 2013 22:25:48 +0300
To: kareem_m_k@hotmail.com
             وفاء في أيام البؤس
إيه أيتها النفس! إنك في حيرة من أمرك، تفاضلين، تختارين، بين من؟ بين الأهل والوطن، وبين الزوج والأولاد والغربة!
الموقف جلل، والقرار صعب، ودقات القلب تتابع مرتفعة، صوتها يكاد يسمع، ومن شدة توالي الضربات فإنه يوشك أن يخرج من مكانه، وفي طريقه يكسر بل يهشم العديد من الضلوع:  الوطن ، الأهل، الأصحاب، الذكريات، التاريخ، الحياة.
 الدموع منهمرة من فراق الأحباب كشلال يسقط من عل!!، إنه فراق على كل حال، ولكن فراق من؟ يأتي القرار متسربلا بالآهات الحارة والزفرات الشديدة. 
معك أيها الزوج الحبيب، هاهنا عاطفة الأمومة تتغلب على أي عاطفة أخرى! ما أعظمك من عاطفة! القلب الرؤوم ليس كمثله قلب. 
وحيدة إلا من الزوج والأولاد في بلاد تجتر آلام البؤس والشقاء، بلاد تخرج من حرب لتدخل في أخرى. كيف بها وقد نأت بها الديار؟ وبينها وبين قومها سدود وقيود.
أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ
                         فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ
بلادها لم تتحمل زوجها وأولادها لظروف سياسية قاسية؛ فرحلت لبلاد الغربة، وهنالك الوجوه مختلفة، واللسان مفهوم ولكنه مغاير للسانها.
إيه يا ليلى، ليس لك إلا الصبر. 
تصبر ليلى وتتحمل الأيام بحلوها القليل ومرها الكثير. تمر ليال حالكة السواد والوطن يعيش بين أضلعها، والأهل والجيران والشارع والسوق والمدرسة والخليج والأبراج والربيع والتنزه في البر وغيرها. مشاهد تمر أمام عينيها سريعا حين يخالجها الحنين إلى الوطن. 
أحلام كثيرة تحطمت، فأصبحت كوابيس مزعجة مفزعة، ولكنها تبقى متشبثة بإيمانها صابرة محتسبة.  
يكبر الأولاد ويهرم الزوج وتهرم معه ، وتداهمها الشعيرات البيضاء، وتتكاثر بسرعة لتصبح أغلبية راجحة ، تعتاد الحياة باختلاف أحوالها، وتمر السنون وهي في الغربة إلا من زيارات خاطفة أواتصالات لاتسمن ولاتغني من جوع. 
يتسلل المرض لجسدها النحيل، يمهد رويدا رويدا للمنية، لاتصمد طويلا فقد أنهكها الفراق  وأتعبتها الغربة، توصي أولادها بدفن جسدها  حيث ولد وترعرع؛ لتعيش به بعد مماتها فقد حرمت منه في حياتها.
يأتي الناعي داعيا للعزاء! عظم الله أجركم أيها القوم.  
يعود جسدها الطاهر إلى الوطن، يستقبله الحزن ويلفه البكاء، تتعالى صيحات الثكالى من الأخوات والقريبات. 
تصيح إحداهن نادبة: وا أختاه! وا أختاه! 
يصيح أحدهم: هل علم الوطن بموتها؟
يجيب الآخر: 
يجهل موتها ،،، ولم أخل أن يجهله!! 
ويح له وويح لي ،،، ماذا عسى أقول له؟
إن الحييب نعيه إلى الحبيب معضلة
يصيح الوطن: وا حبيبتاه! واحبيبتاه!  ما أشد قسوتكم عليها! 
توارى الثرى، وبكاء الرجال يعم المقبرة، والنسوة لهن نحيب وعويل يسمع من بعيد على امرأة ضحت وبذلت وأعطت دروسا في الوفاء، لتصبح أسوة حسنة وقدوة تحتذى. 
@kareemmarzouq
Copy link