بورتريه

التاريخ “المُنصِف” لـ”المرزوقي” لن ينسى “فلاسفة الثورة”..!

لم أذهب الى المدرسة أتعلم الأبجدية وأكتبَ بالطبشور على السبورة لأمارس يوما تركيب المدائح والنفاق للرؤساء أو الأمراء أو الملوك.. فالذي أتحدث عنه اليوم لم يُعد رئيساً.
بل إنه حين كان رئيساً تعامل مع منصبه على أن الأوطان لا تُختصر في رئيس أو نظام.. بل الأوطان هي التي تُبقي الرؤساء أو تستغني عنهم.
لديه قلب كقلب “الثورة” طاهرٌ مثل قلب النّار ومضيء كالقبس.. اختار أن تكون آخر زياراته الميدانية في حملته الانتخابية الرئاسية بلدة “سيدي بوزيد” جنوبي تونس مسقط رأس “البوعزيزي” مُشعل ثورات “الربيع العربي”.
المنصف المرزوقي.. الرئيس الرابع والسابق لتونس.. في 12 ديسمبر 2011 مضى إلى قصر “قرطاج” الرئاسي بلا صلاحيات.. فلماذا قبِل أن يكون رئيساً لتونس “الجديدة” بدون صلاحيات..؟! ربّما لأن “الثورة” أعادت الشارع الوطني إلى الوطن بعد أن اختطفه “الفاسدون” فأدرك أن الشارع هو القائد الحقيقي وإرادته تعلو على كل الصلاحيات.
 كان المرزوقي يعلمُ أنه يمثّل ديموقراطية ليست محشوّة بالمال ولا تقبل الرّشوة  ولا تحبّ الأثرياء ولا الأضواء.. تنازل عن راتبه إلى الثلث.. وفهِم بأنه نِتاج “ثورة” اتكأت على أكتاف التونسيّين واعتلت صهوة السفر نحو الدّنيا كلها..
المقرّبون منه لا يرونه سياسياً بارعاً يجيد التلوّن والتحوّل من موقع إلى آخر ومن اليمين إلى اليسار، ولذلك عُذر ربّما لأن المرزوقي إبن الجنوب التونسي لازالت تسكنه مصداقية “القرويّ” وبساطته..
ماضيه لم ينفصل أبداً عن واقعه، في عام 1970 حين كان يدرس الطب في فرنسا شارك في مسابقة عالمية للشبان بمناسبة “مؤية المهاتما غاندي” حيث قدم نصّا فائزاً عن حياة الرجل وفكره.
 وفي عام 1994 تم اعتقاله لنشاطه في حقوق الانسان وسُجِن في زنزانة إنفرادية مدة أربعة أشهر، حتى أُفرِج عنه بعد حملة دولية شارك فيها “نيلسون مانديلا”.
المرزوقي كان أيضاً طبيباً مقيماً في مستشفيات باريس أوائل السبعينات، وهو مؤسس المجلس الوطني للحريات ولديه عشرات المؤلفات من الكتب والمقالات في المجال السلمي والسياسي.
 في منفاه الباريسي الذي وصله عام 2001 وحتى عودته الى تونس كان المرزوقي أحد “فلاسفة الثورة” وخزاناً فكرياً ضخماً تستمد الثورات الكبرى منه طاقاتها الخلاقة.. وفلاسفة الثورة تأتي إليهم الدنيا لتسألهم عن “فِعل الثورة”.. ساندته “النُّخَب” والقلوب الوطنية، ومنعت عودة تونس الجديدة الى المربع الأول.. المربّع الذي تريده بعض “القصور” و “اللوبيّات”.
التاريخ “المُنصف” لـ “المرزوقي” سوف يذكر له خطابه الشهير في الأمم المتحدة حين ندد بالانقلاب العسكري في مصر، ودعم حرية وخلاص الشعب السوري من بطش نظامه، وتحدث عن الحراك السلمي في البحرين.. دافع عن فكرة أن “الثورات” وقودها القهر والحرمان والدكتاتوريات وليست تمرّداً اجتماعياً متشظياً لجمهور تائه كما يروّج اعلام “الدعاية السوداء” في بعض الدول العربية.
 وسيسجّل التاريخ له أيضاً بعد خسارته الانتخابات الرئاسية الأخيرة حرصه على المكتسبات التي أنجزتها الثورة التونسية من خلال دعوته الى التهدئة في الشارع التونسي.. وهذا بالضبط فِعلُ “فلاسفة” الثورة الذين يستجيب لهم شعب واسع من صفاته أنه ناضج وطنياً ونظيف النوايا.


 

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق