كتاب سبر

أخذ الشور من رأس الثور

تذكر قصص التراث الشعبي، أن امرأة قروية كان لديها ثور تستعين به في أعمال الحرث، وفي أحد الأيام، وبينما كان زوج هذه المرأة خارج البيت، أدخل الثور رأسه في جرة موجودة في البيت، ولم يستطع الثور إخراج رأسه من هذه الجرة، ولم تعرف المرأة كيف تتصرف لأنها كانت تريد المحافظة على الثور وكذلك المحافظة على الجرة.
استعانت المرأة بجارها، وحكت له القصة، وبعد أن حاول الجار إخراج رأس الثور ولم يفلح، قال للمرأة أنه ليس هناك بد من قطع رأس الثور لكي نستطيع إخراج رأسه من الجرة. وافقت المرأة، وقطع الجار رأس الثور، ولكنه مع ذلك لم يستطع إخراج الرأس من الجرة، فقال للمرأة أنه لابد من كسر الجرة لإخراج رأس الثور المقطوع، وبالفعل كسر الجار الجرة وحمل بيده رأس الثور وأعطاه للمرأة. عندما عاد الزوج إلى البيت وسأل زوجته عما حصل، أخبرته بما جرى، فعلق بقوله “أخذ الشور من رأس الثور”، وهو ما أصبح بعد ذلك مثلاً لكل أحمق يريد أن يتخلص من مشكلة فيقع في أكبر منها.
هذا المثل ينطبق على ما قامت به الحكومة من رفع لأسعار الديزل والكيروسين، وحجة الحكومة في ذلك أن الدعم الذي يُقدم لأسعار الديزل شجع على تجارة تهريب الديزل إلى دول مجاورة، نظراً لرخص سعره في الكويت، وإن الدولة تتكبد خسائر تصل إلى 230 مليون دينار نتيجة لعمليات التهريب هذه. بدلاً من أن تقوم الحكومة بدورها ومسؤوليتها في محاربة عمليات التهريب التي يقوم بها متنفذون، قررت الهروب من هذا الحل المباشر إلى رفع أسعار الديزل حتى لا يعود التهريب مجدياً من الناحية الاقتصادية للمهربين.
كأن الحكومة بهذا التصرف أقتدت بالجار الذي بدلاً من أن يكسر الجرة بطريقة صحيحة ليخرج رأس الثور، قرر أن يقطع رأس الثور حتى لا يكسر الجرة، ولكن كما أن الجار لم ينجح في إنقاذ الجرة من الكسر، بل كسر الجرة ليخرج رأس الثور، فإن حكومتنا “الرشيدة” رفعت أسعار الديزل حتى تتخلص من التهريب، لتتفاجئ أن أسعار الكثير من السلع أرتفعت بشكل جنوني، وكأنك يا بو زيد ما غزيت. وبعد التذمر الواسع من قبل المواطنين على هذا الغلاء، بدأت الحكومة بالترقيع، وذلك باستثناء بعض الجهات من رفع الأسعار، وهي تتجه أيضاً لربط سعر الديزل بأسعار النفط، وربما تعود في النهاية لتلغي قرار رفع سعر الديزل، وعندها تكون مثل الجار الذي كسـر الجرة، فلا هي منعت تهريب الديزل، ولا هي منعت إرتفاع الأسعار بشكل عام.
هذا الموضوع هو مثال من أمثلة لا تعد ولا تحصى على التخبط الحكومي والعشوائية في إتخاذ القرارات وعدم الجدية في محاسبة الفاسدين والمتنفذين، رغم الجيش الجرار من “الخبراء والمستشارين” والأجهزة الفنية التي تزخر بها المؤسسات الحكومية. الحمدلله أن الوفرة المالية التي ننعم بها بسبب أسعار البترول المرتفعة خلال السنوات الماضية تغطي على “خمال” وفشل الحكومة وأفتقارها للحد الأدني من القدرة على إدارة البلد، وإلا لتحولنا إلى دولة فاشلة بكل معنى الكلمة. هذه القرارات الحكومية وأمثالها تجبرنا على القول “أخذ الشور من رأس الثور”.
بقلم.. صلاح الفضلي
salahma@yahoo.com
Copy link