أقلامهم

خليل حيدر: إسرائيل.. عندما تدفق المهاجرون

كان من بين أسباب تقدم إسرائيل الاقتصادي اهتمامها بالعنصر البشري وحماية القوى العاملة، منذ بداية تأسيسها عام 1948، وكان من صلب اختصاصات وزارة العمل، بالإضافة إلى رقابتها على الظروف التي يعمل فيها العمال، أن تخلق فرص عمل للمهاجرين الجدد، خصوصاً إذا كانوا بحاجة إلى التدريب وصقل المهارات، حيث أوكلت هذه المهمة إلى «معهد الإنتاجية» Institute of productivity الذي يتولى تدريب المديرين والفنيين ورؤساء العمال، وحدد القانون منذ عام 1951 ساعات العمل اليومية واعتبر الراحة الأسبوعية 36 ساعة متصلة.
ونص قانون 1953 على عدم تشغيل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 14 سنة، وحتى الذين تقع أعمارهم بين 18 و14 سنة، منع دخولهم مجالات العمل إلا بعد فحصهم من الناحية الطبية مع تخفيض ساعات العمل بالنسبة لهم، ومنع كذلك عملهم في حرف معينة والعمل ليلاً، وشمل قانون سنة 1954 القواعد التي تحكم تشغيل النساء، ومنحهن إجازة أمومة بأجر كامل لمدة 12 أسبوعاً، ولمدة بضعة أشهر من دون أجر، كما قضى قانون سنة 1964 بالمساواة بين أجر الرجل وأجر المرأة. [السياسة النقدية في إسرائيل، د.عبدالنبي حسن يوسف، القاهرة 1977، ص31].
واهتم المهاجرون اليهود بالتنظيم النقابي في مرحلة مبكرة، حيث تكونت النقابة العامة للعمال المسماة بالهستدروت في فلسطين سنة 1920 بعضوية 4400 عامل في 1925، لتصل إلى نحو 114 ألفا في سنة 1945.
وكان من أهداف الهستدروت تشجيع العمال على تنظيم أنفسهم في كل مجال، والضغط على أصحاب العمل من اليهود لاستخدام العناصر اليهودية بدلاً من العرب، وتقديم منح مالية إلى اليهود بالاشتراك مع الوكالة اليهودية، وتوجيه رأس المال الخيري اليهودي الى المشروعات الصناعية وغيرها لغرض ايجاد فرص عمل للمهاجرين الجدد.
وكانت «الهستدروت» شديدة المعارضة لمبدأ دفع إعانة بطالة للمهاجرين الجدد، وتفضل سياسة انشاء المشروعات خلال فترة الانتداب، كما أقدمت على شراء مشروعات أخرى كانت موجودة أصلاً في فلسطين، وكانت على وشك الإفلاس أو كانت على وشك نقلها الى القطر المصري.
ويقول د.حسن في الكتاب المشار إليه إن قوة الهستدروت أخذت تنمو ويشتد عودها شيئاً فشيئاً حتى أصبحت عام 1947 «دولة داخل المجتمع الإسرائيلي»، A State within the Jewish Community، كما يقول مؤرخ الاقتصاد الإسرائيلي «ربنر»، Alex Rubner فلما أقيمت دولة إسرائيل في سنة 1948، كانت الهستدروت بمثابة مظلة تحتمي بها التنظيمات الاجتماعية القائمة، من نقابات العمال، وبعض المشروعات الزراعية والصناعية والمالية، وأصبح إجبارياً على كل عامل أن يكون عضواً في النقابة العامة للعمال حتى يستطيع أن يتمتع بما تهيؤه من خدمات، حيث انتجت الهستدروت في سنة 1953 حوالي %60 من الإنتاج الزراعي، وحوالي %20 من الإنتاج الصناعي.
ويجرنا الحديث عن اقتصاد فلسطين وإسرائيل إلى تناول النظام النقدي وما حدث له مع ما جرى لفلسطين نفسها وشعبها بعد إعلان دولة إسرائيل، فقد عرفت فلسطين قبل الاحتلال البريطاني 1917 «نظام الذهب»، حين لجأت تركيا العثمانية، مثل سائر الدول المتحاربة إلى إصدار أوراق البنكنوت لمواجهة ظروف الحرب، وكان الإصدار بكميات كبيرة تفوق الاحتياجات الاقتصادية للدولة العثمانية، مما نجم عنه تضخم نقدي امتدت آثاره إلى فلسطين.
وكان الانهيار في قيمة النقود التركية شديداً حتى فَقَدَ الجنيه التركي حوالي %90 من قيمته، وعندما دخل «اللورد اللنبي» بجيوشه الأراضي الفلسطينية واندحر عنها الجيش التركي، عمد قائد الاحتلال إلى إلغاء العملة التركية، وأحل محلها أوراق البنكنوت المصرية التي كان يصدرها حينذاك البنك الأهلي المصري، وفرض لها السعر الإلزامي، وأعلن أنه لن يُقبل في التداول سوى الجنيه المصري الذهبي وأوراق البنكنوت المصرية والعملات المصرية من الفضة والنيكل، وفي عام 1927 صدر القرار البريطاني بالجنيه الفلسطيني بنفس قيمة الجنيه الأسترليني مقابل الذهب، وأسقطت الصفة القانونية عن تداول النقود المصرية داخل فلسطين، وعند إعلان قيام إسرائيل استمر الجنيه الفلسطيني وسيلة التبادل داخل البلاد، ثم قررت بريطانيا من جانبها في فبراير 1948 استبعاد فلسطين من كتلة الاسترليني وتجميد الديون التي كان يمتلكها الفلسطينيون في ذمة الحكومة الإنجليزية، والتي قُدرت بحوالي 100 مليون جنيه استرليني، وترتب على ذلك أن الجنيهات الفلسطينية لم تعد قابلة للتحويل إلى العملات الإنجليزية، وفي أغسطس 1948 قررت الحكومة الإسرائيلية إصدار عملتها لتحل محل الجنيهات الفلسطينية.
ونص القانون فيما بعد على أن تكون عناصر غطاء العملة من سبائك الذهب والعملات الأجنبية وأوراق البنكنوت التي اصدرها مجلس النقد الفلسطيني وعناصر أخرى.
ومن المفارقات الواردة في كتاب د.حسن عن تاريخ السياسة النقدية في اسرائيل، أنه عندما طبعت أوراق البنكنوت الاسرائيلية، وكان ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، تمت العملية قبل اعلان قيام اسرائيل، والاتفاق على الاسم، «بدليل أن أوراق البنكنوت هذه كانت تحمل اسم «الجنيه الفلسطيني» باللغات العبرية والعربية والانجليزية، على الرغم من أن اللغة الأخيرة لم تعد لغة رسمية في اسرائيل منذ انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وكانت قيمته تتعادل مع قيمة الجنيه الاسترليني، وقد اعطي الجمهور فترة شهر تنتهي يوم 15 سبتمبر عام 1948 لاستبدال الجنيهات «الفلسطينية» التي أصدرتها السلطات الاسرائيلية بالنقود الفلسطينية القديمة، وتصبح بعدها الجنيهات الاسرائيلية هي العملة القانونية، وبلغ مجموع ما قدمه الجمهور للاستبدال خلال هذه الفترة 26.5 مليون جنيه فسطيني.(ص99).
كان لهجرة اليهود إلى فلسطين تأثير اقتصادي في مختلف الأصعدة، وتمت هذه الهجرة الصهيونية على خمس مراحل أو موجات تسمى بالعبرية، Aliyah وهي كلمة تعني «قمة» أو «موجة»، جاءت الأولى ما بين 1903و1882 من روسيا وبولندا، والثانية من روسيا 1914-1904 «على أثر السياسة المعادية لليهود التي أعلنتها الحكومة الروسية في سنة 1903، إذ هاجر إلى فلسطين يهود روسيا وكلهم من العمال ذوي الدراية الضئيلة بالأعمال الزراعية والحرفية، ولكنهم استطاعوا العمل والاستقرار في الأراضي الزراعية التي حصل عليها «الصندوق القومي اليهودي».(ص 152)
ثم كانت الموجة الثالثة 1923-1919، التي وفدت إلى فلسطين بعد إصدار «وعد بلفور»، حيث أتى معظمهم كذلك من روسيا وبولندا، وقد تأسست في هذه الفترة عام 1920 كما ذكرنا، الاتحاد العام للعمل أو «الهستدروت»، ذات النشاط المعروف في مجال التوطين والتصنيع والتعليم، كما أُنشئ في نفس العام «صندوق التعمير»، وعقد أيضاً المؤتمر الصهيوني الثاني سنة 1921، والذي قرر التوسع في عملية «استعمار فلسطين»، «فتمكنت المنظمات الصهيونية من إقامة عدد من المستعمرات الزراعية في منطقة تعتبر من أكثر المناطق خصوبة» [153].
وجاءت الموجة الرابعة ما بين 1931-1924، ويقول د.عبدالنبي حسن إن سنة 1924 تعتبر نقطة تحول في تاريخ الهجرة اليهودية بصفة عامة والهجرة اليهودية بصفة خاصة، «فقد أقفلت الولايات المتحدة أبوابها أمام المهاجرين تطبيقاً لمبدأ الحصص الذي أخذت به، فاتجه المهاجرون اليهود إلى فلسطين التي استقبلت 82 ألف يهودي خلال تلك الفترة»، وكان معظم هؤلاء المهاجرين كذلك من بولندا وروسيا وكانت الموجة الخامسة 1938-1932 من نتائج صعود النازية واضطهاد اليهود في ألمانيا.
«وقد جلبت هذه الموجة إلى فلسطين ما يقرب من 20 ألف يهودي جاء أغلبهم من ألمانيا ثم من بولندا ورومانيا، خلال فترة قدرها سبع سنوات، كان بينهم ألف طبيب و500 مهندس، كما جلبت معها ما يقرب من 42.4 مليون جنيه فلسطيني».
ولم تتوقف الهجرة خلال العشر سنوات قبل إعلان دولة إسرائيل 1948-1939، فبلغ عدد من هاجر منهم قرابة 15 ألفا، وجاء في إعلان قيام دولة إسرائيل أن هذه الدولة ستُفتح لهجرة اليهود من جميع الأقطار «وانتهى الأمر بعد ذلك بإصدار قانون العودة» Laloidu Retour في 5 يوليو عام 1950 الذي أتى بالأحكام الخاصة بالتجنس بالجنسية الإسرائيلية للمهاجرين اليهود، وكان من نتيجة هذه السياسة التي تهدف إلى تشجيع هجرة اليهود إلى إسرائيل، ازدياد عدد السكان من 650 ألف يهودي في سنة 1948 إلى مليونين و384 ألف يهودي في سنة 1968» [ص156].
وتدل تفاصيل ووقائع موجات الهجرة الصهيونية إلى فلسطين حتى قيام الدولة أن اليهود لم يكونوا راغبين جميعاً في الذهاب إلى فلسطين رغم كل دعاية المنظمات الصهيونية، فالكثير منهم كانوا يريدون الهجرة إلى الولايات المتحدة، ولاتزال هذه الرغبة قوية لدى يهود العالم ويهود إسرائيل، وهو اتجاه كثيراً ما نراه يتصاعد كلما تعقدت الحياة في إسرائيل أو تعرضت لمخاطر عسكرية.
ومن الجوانب التي لا تدرسها الثقافة السياسية العربية، فيما يتعلق بإسرائيل والقضية الفلسطينية، المهارة الفائقة التي أدار بها الإسرائيليون مشاكل الهجرة والإيواء والتعامل مع الفوارق اللغوية والقومية والفكرية بين اليهود من منابتهم المختلفة! يقول د.حسن: «واجهت دولة إسرائيل، منذ إنشائها، عدة مشاكل تتصل بامتصاص الأعداد الغفيرة من المهاجرين اليهود، وبتسليح الجيش الإسرائيلي، وبتمويل العمليات العسكرية وإقامة مشروعات التنمية الاقتصادية، إذ كان على الحكومة أن تمد المهاجرين بالطعام والملابس والمأوى بمجرد وصولهم إلى إسرائيل».
في حين أن معظمهم كان يفتقر إلى الوسائل المالية ولم يكن يسهم في الإنتاج، الأمر الذي أدى إلى تزايد الطلب على السلع الاستهلاكية.
يضاف الى ذلك أن نفقات التسليح والهجوم أدت الى زيادة القوة الشرائية لبعض الأفراد، دون أن يصاحب ذلك أي زيادة في الانتاج، كما أن تنفيذ خطة التنمية الاقتصادية قد ألقى عبئاً ثقيلاً على السلع الاستهلاكية المعروضة في الاسواق.
هذا بالاضافة الى ان الميزانيات الحكومية غير المتوازنة. والتوسع في الائتمان أديا الى وجود حالة من التضخم اللولبي التي جرت الى زيادة في الائتمان وفي النفقات وفي الأجور، فانخفاض في قيمة الجنيه الاسرائيلي».(ص 159-158).
ولم يتحسن الوضع بمرور الوقت واستقرار أمور الدولة، لاسباب داخلية وخارجية فقد زادت هذه الحالة سوءاً منذ سنة 1955، بسبب تزايد عدد المهاجرين (ولو أن عددهم كان اقل نسبياً عن الفترة 1950-48) وارتفاع نفقات التسلح لمواجهة تهديد صفقة الأسلحة بين جمهورية مصر العربية والاتحاد السوفييتي، ثم اشتراك اسرائيل في العدوان الثلاثي الذي وقع في أكتوبر – نوفمبر عام 1956م، ثم ادى ذلك الى استيراد كميات ضخمة من السلع الاستهلاكية والى زيادة العجز في الميزان التجاري، والى ارتفاع الاتجاهات التضخمية».
وعمدت الحكومة الى الاخذ بسياسة تشجيع الصادرات بتخفيض الرسوم الجمركية عليها، و«خفضت ضريبة الملكية بالنسبة للمشروعات الصناعية التي تزيد صادراتها على %25 من مبيعاتها السنوية، وقدمت تسهيلات في نفقات الشحن داخل وخارج البلاد، وكذلك في مجال التأمين، بما في ذلك افلاس المشتري والخسائر التي تحدث نتيجة الرقابة على النقد أو الاضطرابات السياسية في بلد المشتري، حتى %85 من قيمة الخسارة، وقدمت الحكومة تسهيلات لتمويل نفقات دراسة الاسواق الاجنبية المنافسة لاسرائيل ونفقات تسويق البضائع».
ومن السياسات التصديرية التي تبنتها اسرائيل منذ البداية انه اذا ما اتفقت خمسة مشروعات على الاقل، تعمل في قطاع صناعي واحد لمحاولة تصدير منتجاتها، فان الحكومة تمدها بما يوازي %50 من مصاريف الحملة الاعلانية، و%50 من مصاريف نشر الكتالوجات، و%50 ثالثة من نفقات انشاء الفروع ومكاتب البيع خلال السنة الاولى.
يضاف الى ذلك ان اسرائيل قد انشأت «المعهد الاسرائيلي للصادرات»، الذي يهدف الى تشجيع وتنشيط الصادرات بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة، ثم انشأت الشركة الاسرائيلية للاسواق والمعارض، «لمساعدة المصدرين على غزو اسواق جديدة عن طريق المعارض والاسواق التي تقيمها او تشترك فيها في الدول الاجنبية».
ورسمت اسرائيل سياسات اخرى لتشجيع رؤوس الاموال الاجنبية والمحلية في الاستثمار داخل اسرائيل، لتخفيض مدى اعتمادها على الواردات من السلع المصنوعة التي تخرج العملة الصعبة من البلاد.
وهكذا ربطت اسرائيل السياسة بالاقتصاد، والانتاج بالاستثمار، ورسمت منذ البداية سياسة محكمة في خدمة بناء الدولة ودمج المهاجرين وحل مشاكل البلاد التنموية في الوقت نفسه. ماذا فعلنا نحن باقتصادنا خلال هذه السنوات؟!