كتاب سبر

محمد الوشيحي.. يكتب:
سعد بن محمد بن كرّان

هو حفيد البطل عبدالله العجمي، الملقب ب “كرّان”، قائد الحدود الشمالية للكويت، لفترة من الفترات، والذي تناقل الناس الحديث عن بطولاته وشجاعته.. والحفيد سعد، لسوء حظ خصومه، لم ينشأ على أيدي مربيات. هو أحد أولئك الرجال الذين صاحبوا الشمس الحارقة نهاراً، ونادموا النجوم البارقة ليلاً. هو رجل من ذوي البأس الشديد، حتى وإن أوحى لك هزال جسمه بغير ذلك. 
ولو كان نهر الأمور يجري في مساره الصحيح، لكان سعد ابن كران رئيساً لقسم “الخوّة الصادقة”، أو عميداً لقسم “الفزعة”، أو مديراً لجامعة “النخوة”، أو أستاذاً لمادة “الصبر على المكاره”، يشرح للجِمال وأشجار السدر فوائد الصبر، ويشد من عزم الجبال، كلما هانت عزيمتها في وجه الرياح والأعاصير. أظهرت له الدنيا أنيابها غضباً، فأظهر لها نواجذه تبسماً. 
خيّروه بين وظيفته، مصدر رزقه الوحيد، ومبادئه، فلم يفكر كثيراً، ولا حتى قليلاً، بل شوّح باستقالته، رغم أنه كان يشغل منصب مدير، واحتضن المبادئ الموجعة، وهو يتبسم. لم يبك، ولم يستجدِ.
استعانت الدنيا عليه بالسلطة، فهبّت السلطة بجميع أدواتها، واستعانت بعض أدوات السلطة بالخسة والدناءة، فطوقوه براً وبحراً وجواً. وضربته مطّاعة (هراوة) القوات الخاصة، وطاردته الحكومة بقضاياها التي لا تنتهي، وحورب في كل بقعة يتواجد فيها، ولم ينجحوا، فقرروا تشويه سمعته، ومحاربته نفسياً، والتشكيك في مواطنته، واستخدموا الشبيحة لهذه المهمة، فهؤلاء يزعمون أنه “كويتي طارئ”، وهؤلاء، الذين يرتدون لباس المعارضة كذباً، أقسموا انه جاسوس للحكومة، وإلا كيف يصبر على كل هذا الأذى، وأولئك ادّعوا أنه مستفيد مما يحدث لا شك، وإلا ما كان قدّم كل هذه التضحيات. هم قاسوا الأمور بعيونهم هم لا عيونه. عيونهم تبحث عن الأرباح والخسائر، وعيونه تبحث عن الصدق مع النفس، والعشق ل “ليلاه” الكويت.
وعندما انقطعت أنفاس الجلادين، ولم تنقطع ابتسامته، قرروا نزع مواطنته، فأفقدوه جنسيته، فصبر واحتسب، ولم تنقطع ابتسامته، فاستشاطوا غضباً، وقرروا ضربه بأقصى قوة، وعزموا على ارتكاب جريمة العصر، التي التهمت كل الجرائم، وفاقتها سفالة. فحاصرته السيارات كما في أفلام هوليوود، ونقلته معصوب العينين إلى مبنى أمن الدولة، ومنه إلى خارج حدود البلد، دون أن يتمكن حتى من إلقاء نظرة على أبنائه وأهله. وها هو الآن في السعودية، لا يستطيع رؤية أولاده، وها هم أولاده في الكويت، بعضهم لا يستطيع رؤيته، لأسباب إدارية قميئة، مرتبطة بإسقاط جنسيته.
هكذا بكل بساطة، حُرم سعد من كل ما يرتبط بذاكرته في بلده التي دافع عنها جده بالبندقية، ودافع عنها هو بقلمه وعقله وجنسيته.
ومع سوداوية المشهد، وكآبة المنظر، إلا أن ثمة ما يمنحه الابتسامة… أصدقاؤه! ولو أردت الحديث عن أصدقائه وأنا مستلقٍ على ظهري، ويديّ تحت رأسي، لاستقعدت، وعدّلت جلستي، وقلت: “إما أن تكون الصداقة هكذا، أو لا تكون”.
فيا سعد، ما زلنا، وما زالت الجِمال والسدر معنا، نتعلم منك، الصبر والثبات. ثق أيها العزيز، أننا سنلتقي يوماً، وأظنه قريب، على أرضٍ عشقناها، وأحببنا شوارعها وجدرانها وتفاصيلها. ثق أننا سنعود إلى الكويت، وستعود الكويت إلى نفسها… قريباً.
——————-
شاءت الصدف، أن تتحدث الصحف العالمية، مباشرة بعد نفي سعد ابن كران إلى السعودية، عن لاجئة نيجيرية (أكرر: لاجئة) دخلت إلى بريطانيا، تحمل طفلتها ذات السنوات الخمس، وقدمت طلب لجوء، فرُفض طلبها، وقررت وزارة الداخلية البريطانية ترحيلها، فهرعت محامية لنجدتها، فأصدرت القاضية حكمها بإعادة النيجيرية وطفلتها، بعد أن عنّفت وزارة الداخلية. ولم تكتفِ القاضية بذلك، بل راحت تنتقد، في حكمها، قوانين الهجرة، التي تخلو من الإنسانية.
ونحن في “بلد الإنسانية”، كما ندّعي، نفعل كل هذه الأفاعيل، ونشمت ونرقص على الجراح. كان الله في عون هذا البلد المنكود، الذي ألبسوه ثوباً لا يليق به.