كتاب سبر

قصة يوسف عليه السلام.. لماذا هي أحسن القصص!؟

تعال معي لنتداول في قصة النبي يوسف عليه السلام..
من هو بطل قصة سورة يوسف؟!
ولماذا نحب قصة يوسف؟.. وتخنقنا العبرات كلما سمعناها؟..
ولماذا أحبها شخصيا!؟..
هناك اعتقاد كبير بأنه بلدياتي!.. فبلدة جبع من بلدات منطقة شمال الضفة الغربية في فلسطين، وهي أحد مواطن العلاونة، تترامى بين مجموعة جبال مليئة بالمقامات والقبور معظمها لأشقاء يوسف عليه السلام، ومنهم أخاه شمعون بن يعقوب، وعلى مقربة ضمن براري البلد، بلدة سباتا القديمة، وتضم كهوفا أثرية، وعلى مقربة (مرج) صانور حيث يصبح شبه بحيرة في الشتاء وبعض الربيع لوقوعه بين الجبال، فتكثر الينابيع مما يعتقد أنه مرعى أبناء يعقوب، بما في ذلك بئر اسمه بئر (السوقي) يقع قبالة أرض تعود لعائلتنا – ضمن أراضي مستوطنة يهودية جرى تفكيكها وعادت لأصحابها حديثا – عند مدخل المرج، حيث البئر قديم جدا ولا أحد يعلم متى تم بناؤه علما أنه لم تجر عليه حسب علمي لحد الآن أبحاث آثارية أو استكشافية..
وقد كان لي في الطفولة مع هذا البئر ذكريات وذكريات.. ربما منطلقها أن ما يقال عنه أنه بئر غيابة جب يوسف النبي عليه السلام، بينما اسمي أنا أيضا يوسف!..
في عام 1967 كان مقام النبي شمعون أصبح فصلا دراسيا بعد أن هدمه الناس في البلدة، وبنوا مكانه بناء من الإسمنت المسلح، وإن احتفظوا من أثره بمنبر، أو بقايا أو محراب للصلاة، فلما وقع احتلال اليهود لبقية فلسطين، جاءت بعثة يهودية عسكرية، ومعهم خرائط للبلدة، يسألون من موقع النبي شمعون، فأنكره الناس، فانصرفوا ولم يعودوا بعد ذلك..
نقول إن بطل القصة هو يعقوب عليه السلام وليس يوسف، فهو كان يعلم ان يوسف لم يمت، وذلك منذ البداية، ودعاؤه له بأن يهبه الله حكما وعلما ليس معقولا أن ينتهي في بحر يوم فقده فيه، بعد أن جاؤوا له بقميص عليه دم كذب!
وقصة يوسف هي أحسن القصص، وهذه معجزة قرآنية فلم تعرف البشرية دراما كقصة يوسف “نحن نقص عليك أحسن القصص”..
والسورة لا ذكر فيها لقصة أخرى.. وفي القرآن سور كثيرة تتضمن عشرات القصص، وهذه قصة نبي واحد وأهله وذكر فيها اسمه 25 مرة وذكر بغيرها مرتين!..
و.. ألف لام راء (ألر) من الأحرف النورانية والتي هي نصف حروف اللغة العربية.. والبعض صاغ منها جملة: “نص حكيم قاطع له سر”!..
يقول الله سبحانه مخاطبا نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: “نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين”.. والنبي ليس غافلا.. إنما المراد أنه غافل عن قصة يوسف!..
وقد وقعت أحداث القصة في القرن السادس عشر قبل الميلاد، وهي فترة مهمة بحياة مصر غاب فيها حكم الفراعنة وحل محلهم حكم الهكسوس..
وشخصية يوسف عجيبة، فقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم.. إنه يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم!..
ويوسف أعطي شطر الحسن أي نصفه (حديث نبوي شريف)، أي أن كل جمال الرجال في الدنيا وربما البشر جميعا، نصفه ليوسف والباقي لكل الناس، وفوق هذا هو نبي ابن ثلاثة أنبياء وجده الثاني أبو الأنبياء!
وكان يوسف شابا أو صغيرا (من المحسنين).. “ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين”..
ماذا يعني هذا؟.. يعني أن الشيطان لا يقدر عليه..
وحينما دخل السجن أيضا قال له (صاحبي السجن): “إنا نراك من المحسنين”..
وهو خرج من السجن وظلت كذلك شخصيته لأن إخوانه قالوا له بنص القرآن:
“أوفي لنا الكيل وتصدق علينا إنا نراك من المحسنين”..
ماذا يعني أنه من المحسنين؟!.. سنعود لحوار الله مع إبليس عندما رفض السجود لآدم.. وإبليس رفض السجود لآدم بأمر الله طبعا.. لكن ظريف القول عنه بأنه ساقط فيزياء، لأن الطين به طاقة أكثر من النار كما سمعتها من أحد الدعاة!
أما الجميل الذي يخطئ به كثير من الناس، فهو أن يوسف لم ير كواكب والشمس والقمر تسجد له.. بل رأى إخوته الأحد عشر وأمه وأبيه له ساجدين، فلقد نصحه والده بكتمان السر عن إخوته وأن يقول عن الكواكب.. فالنص يقول: “..رأيتهم” لي ساجدين والميم للعاقل.. وهنا اشتعلت الغيرة بهم.
أما البئر فلم يكن ممتلئا بالماء، فقد كان الفصل صيفا، ولو كان شتاء لمات من البرد، ولهذا لم يكن مجال للغرق.
يقول الله سبحانه في السورة:
“وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب”، فهل يقول نبي هذا لولد يعلم أنه سيموت على يد أخوته؟!.. لقد علم يعقوب أن الذئب لم يأكل يوسف.. وإلا لكان حزن عليه، لكن الله وصف حزنه وشخصه بالكظيم، لأنه يعلم بأحداث تجري مع يوسف هو لا يعلمها.
ولذلك لما نقل له أولاده قصة العزيز أخبرهم ان يدخلوا من أبواب متفرقة!
لماذا؟!
كان يريد ليوسف أن ينفرد قليلا بأخيه الشقيق بنيامين، وهو لم ينصح الأبناء بهذا في المرات الأولى التي ذهبوا بها إلى مصر، لكن لما قال يوسف “وأئتوني بأخ لكم من أبيكم”!
ومن أبيكم فهم معناها يعقوب لأن المقصود ابن أمه راحيل، وإلا كيف عرف يوسف وهو عزيز مصر ولم يلتقهم من قبل أن بنيامين هو أخوهم فقط من أبيهم؟! (أخ غير شقيق)، هنا فهم يعقوب الرسالة فاطمأن وأرسل بنيامين، بعد أن أخذ منهم المواثيق كتحصيل حاصل، فلم يرد أن يعلمهم أنه عارف بما يعرفون.
جاؤوا لأبيهم يعقوب وقالوا له إن الملك يطلب أخانا من أبينا، فلم يندهش البطل الحقيقي للقصة واكتفى بتوصيتهم الدخول من أبواب متفرقة.
هنا قال يوسف لبنيامين:
“فلما دخلوا على يوسف قال أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يصنعون”!
في مبحث آخر له اعتباره لدى من يستندون للقرآن في قراءة التاريخ أن يعقوب ليس إسرائيل، ولم يرد أي ذكر عن أخوة يوسف بوصفهم بني إسرائيل، إنما يوسف وأخوته، فلم يكن يوسف من بني إسرائيل لأن الآية الكريمة تقول:
“لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين”، ولم يقل يوسف وبني إسرائيل، وفي هذا بحوث مطولة واختلافات لكن المراد أن الأنبياء انتزعوا من بني إسرائيل لفرط ما رأوا منهم من الكفر والكيد والضلال.
وفي القرآن:
“جاءكم يوسف من قبل بالبينات حتى إذا (هلك)”، أي أنه مات مقتولا وإلا لورد بالنص أنه مات، والأرجح أن يوسف مات مقتولا كما يرد في نص القرآن: “وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله”؟
وكما أشرت بداية هو توثيق القرآن لحقبة مجهولة من تاريخ مصر لم يحكم فيها الفرعون الذي لم يرد ذكره إطلاقا في السورة، لأن مصر حكمها الهكسوس بين عامي 1615-1560 حيث قدموا مصر من سيناء وفلسطين والجزيرة العربية وكان الحاكم يدعى الملك وليس فرعونا، حتى قام الملك الفرعوني أحمس الأول عام 1560 قبل الميلاد بطرد الهكسوس فعاد القرآن ليذكر اسم الفراعنة بقصة النبي موسى عليه السلام.
في معظم التفاسير أن القرآن يقول:
“(وقال) نسوة في المدينة..” وليس (قالت)نسوة فهذا دليل لغوي على قلة عدد النساء المتداولات لإشاعة (وراودته)، وهذه البلاغة القرآنية وردت في شأن نساء النبي أيضا، ومع مريم البتول أيضا لما يقول: “وكانت من القانتين” ولم يقل “قانتات”، وقال لنساء النبي: “يا نساء النبي من (يأت) منكن بفاحشة مبينة”، ولم يقل (من تأتِ) لأن هذا مستبعد مطلقا عن نساء النبي، وهنا لدي استدراك بخصوص المساس بأزواج النبي، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقبل الله عليه نجاسة على نعاله، فأنزل جبريل ليخبره بخلعها وسط الصلاة، فكيف يقبل سبحانه عليه أن يموت على نحر امرأة غير طاهرة مطهرة، ثم يدفن في حجرتها، ويكون آخر ما مات عليه سواك فيه ريقها!؟..
وحتى أبوها فإن إعجاز القرآن أعمى قلب كافر هو أبو لهب الذي مرت عشر سنوات والناس تردد سورة تلعنه، (تبت يدا أبي لهب وتب..) وكان يمكنه تكذيب القرآن بمجرد أن يقول الشهادتين، فعندما يقول الله عن أبي بكر (يقول لصاحبه) فهو هنا يوثق صحبة خالدة إلى يوم الدين، باعتبار أنه كتاب لا يأتيه الباطل.
نعود لقصة يوسف..
انظر بلاغة القرآن:
“وإلا يفعل لنسجنّنه” (النون التوكيدية الثقيلة)، ثم يقول: “وليكونن من الصاغرين”، (تنوين مخفف)، لأنه لو قال “وليكوننّ” لأمضى عمره بالسجن.
ونأتي إلى المراودة!
والعامة يخطئون كثيرا هنا لأنهم يتصورون أن يوسف راودها بإسقاط القول همت به وهم بها، والنص يقول: “وراودته التي هو في بيتها عن نفسه”، أي أن المراودة من طرف واحد فقط، لأن يوسف عليه السلام كان محجوبا عن إبليس، أي أنه لا يمكن أن يخطئ، بل معصوم عن الخطأ، لماذا؟.. لأنه يحمل صفة “عباد الله المخلصين”، فالله يقول عنه: “لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين”.
ماذا يعني هذا؟!
نعود للحوار بين الله وإبليس.
قال: “فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلَصين”، ويوسف لم يهم بها من أجل الفاحشة بل إنه لما غلّقت الأبواب دفعها فحصلت ضجة، والموقف ينبئ بأن المراودة انتقلت لمرحلة خشونة جراء رفض غلام مملوك فدفعته أو شيئا من هذا، فخرج الصوت أو الجلبة، فجاء سيدها لدى الباب (زوجها)، وهي قالت بالمراوغة: “ما جزاء من أراد بك سوءً”؟!.. وهو قال فورا: “هي راودتني”، ولذلك أصر على براءته حتى يوم الإفراج عنه.
بقي شيء أحب أن يتم تسليط الإضاءة عليه وهو أن نظام الري الذي وضعه يوسف لمصر ما زال هو الساري، ولذلك كان وزير الري في كل العهود المصرية أهم من وزير الزراعة!
عليك السلام يا يوسف..
وأختم بدعائه:
“ربّ قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين”.